ابويا وامي رموني في الشارع حكايات صافي هاني
اتكلمي بأسلوب أليق من كدة. أنتي واقفة قدام البشمهندس صاحب ومؤسس مجموعة الشركات دي كلها."
الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة.
أبويا لدرجة إن ركبه خانته وأخد خطوة لورا وسند على سور الإزاز، ويبصلي من فوق لتحت وهو مش مستوعب إن العيل اللي رماه وهو عنده 12 سنة عشان درجاته، هو نفسه الراجل اللي بيتحكم في أكل عيش بنته "العبقرية"، وفي ثروة بالملايين.
راشيل بدأت تعيط بهيستيريا والظرف الأبيض اتهز في إيديها: "أنت.. أنت صاحب شركة NexusLoop؟ مش ممكن.. بابا قال إنك شغال هنا ومسحت بكرامتنا الأرض عشان تشغل نفسك!"
بصيت لأبويا وابتسمت نفس الابتسامة الباردة اللي كان بيبتسمهالي زمان: "أنا مابتمسحش بكرامتي الأرض يا بابا.. أنا اللي بنيت الأرض دي كلها من الصفر، من الليلة اللي نمت فيها في المطر بسبب 'تلات كعكات' في الشهادة."
أمي حاولت تغير نبرة صوتها فجأة، وبدأت تخلي صوتها حنين ودموعها تنزل: "يا ابني.. إحنا كنا بنربيك.. كنا عايزينك تبقى راجل.. الدم عمره ما يبقى مية، إحنا أهلك!"
حطيت إيدي في جيوب بنطلوني وبصيت لهم بكل برود وثقة: "أهلي؟ أهلي سابوني وأنا عيل مش لاقي لقمة وميت من البرد. أنتوا مجرد ناس غرب اتمنوا ليا الفشل، ودلوقتي وأنا فوق، مفيش ليكم مكان في حياتي."
شاورت لرجال الأمن وقلت لهم: "خرجوهم برة حدود الشركة بالكامل، وملمحش وشهم هنا
لفيت ضهري ومشيت في اتجاه مكتب الإدارة ورجالة الأمن بيسحبوهم لبرة وصوت عياطهم وصريخهم مالي المكان، وأنا حاسس لأول مرة من خمستاشر سنة.. إن حقي رجع تالت ومتلت.
دخلت من باب البرج الإزاز، وصوت صريخ أمي وزعاق أبويا وهو بيحاول يزق الأمن لسه جايب لآخر الشارع برة. الموظفين كلهم كانوا واقفين زي التماثيل، محدش فيهم قادر ينطق ولا يرفع عينه فيا.
طلعت الأسانسير الخاص لغاية الدور الأخير، ووقفت قدام الشباك الكبير اللي كاشف البلد كلها من فوق. قعدت على مكتبي وسندت ضهري لورا، وأخدت نفس طويل عميق.. نفس بقالي خمستاشر سنة مش عارف أclone أخبيه جوايا.
بعد خمس دقايق، سكرتيرتي خبطت ودخلت وهي متوترة: "يا فندم، المستثمرين واصلين في قاعة الاجتماعات وجاهزين، نبدأ؟"
هزيت راسي وقلت لها: "اديني دقيقة وجاى وراكي."
وقبل ما أقوم، تليفوني الشخصي رن برقم غريب. كنت عارف هو مين. فتحت الخط ومطقتش بكلمة.
صوت أبويا كان بيرتعش على الناحية التانية، النبرة القاسية اللي ربت فيا الرعب زمان كانت مكسورة تماماً: "يا ابني.. اسمعني بس.. إحنا غلطنا، بس مكنش ينفع تعمل في أختك كدة، دي ملهاش ذنب في القديم! اقطع رقبتنا إحنا بس بلاش هي.. دي كانت هتتجوز ومستقبلها هيضيع."
رديت عليه بكل هدوء وثبات: "أنا ماليش إخوات. وأنت اللي علمتني زمان إن الفاشل ملوش مكان.. وهي
أمي خطفت منه التليفون وهي بتعيط وتصرخ: "عشان خاطري يا ابني! إحنا عايشين في إيجار، وراشيل هي اللي كانت شايلانا بمرتبها وتأمينها.. لو اتقطعت من هنا هنترمى في الشارع!"
ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة وجع قديم بيتقفل: "في الشارع؟ سبحان الله.. الدنيا بتدور سريع أوي يا أمي. متقلقيش، الشارع مبيجوعش، فيه كراتين كتير ورا المحطات بتبقى ببلاش.. اسألوني أنا."
وقبل ما تقولي أي كلمة ثانية، قفلت السكة في وشها، وعملت للرقم بلوك.
قمت من على مكتبي، عدلت جاكيت البدلة الفحمى الشيك، وفتحت باب المكتب وخرجت للمستثمرين وأنا باصص قدامي وبس.. الليلة اللي بدأت وأنا عندي 12 سنة في الضلمة والمطر، انتهت بالكامل النهارده تحت أنوار شركتي.
دخلت قاعة الاجتماعات، وبمجرد ما رجلي عتبت المكان، كل المستثمرين الأجانب والمحليين قاموا وقفوا احتراماً. قعدت في نص الترابيزة الكبيرة، وبدأت المناقشة. كنت بتكلم بكل ثقة وتركيز، وكل الأرقام والإحصائيات اللي كنت بقولها كانت بتثبت إن الشركة بتكبر وبتتوسع أكتر وأكتر في السوق العالمي.
الاجتماع استمر تلات ساعات كاملين، خلصنا فيهم صفقة العمر اللي هتنقل الشركة لنقلة تانية خالص وتضاعف قيمتها. بعد ما مضينا العقود وكلهم باركوا لي
افتكرت زمان لما كنت بقعد في المكتبة العامة بالساعات، بطني بتنقح عليا من الجوع، والناس بتبص لي بقرف عشان هدومي قديمة، وأنا كل همي أتعلم سطر كود واحد جديد يفيدني في الأبلكيشن. افتكرت كل ليلة نمت فيها بردان وخايف. كل الوجع ده هو اللي صنع الراجل اللي واقف النهارده.
تليفوني نور تاني.. المرة دي كانت رسالة من رقم راشيل، كاتبالي فيها: "أنا آسفة.. مكنتش أعرف إنك أنت.. أرجوك بلاش تخرب بيتنا، بابا جاله جلطة وخلوه في المستشفى أول ما روحنا."
قريت الرسالة وعيني غامرت بالدموع لثواني.. مش عشان صعبانين عليا، لأ.. عشان افتكرت نفسي لما جالي دور برد شديد وأنا عندي 14 سنة وكنت همرت من السخونية في ملجأ، ومحدش فيهم فكر حتى يسأل عليا أو يدور في المستشفيات أنا عايش ولا ميت.
مسحت الرسالة وعملت بلوك للرقم ده كمان.
لميت حاجتي وأخدت مفاتيح عربيتي ونزلت. وأنا خارج من باب البرج، بصيت على الأرض مكان ما كانوا واقفين يتريقوا عليا من كام ساعة. المكان كان فاضي تماماً، ومفيش غير الهوا ونور الشارع.
ركبت عربيتي وشغلت الكاسيت على هادي، وطلعت على الطريق السريع وأنا باصص على أنوار المدينة. الماضي بتاعي بكل قسوته وناسه انتهى واندفن النهارده. من اللحظة دي، أنا مابقتش مدين لأي حد بحاجة، ومستقبلي