جوزي دمرني حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

ابني اللي عنده تسع سنين كان قاعد في آخر صف في المحكمة، في الوقت اللي جوزي طارق كان بيدمرني فيه قدام القاضي. وفجأة، ابني قال بصوت هادي وبكل ثقة يا سيادة القاضي، أنا عارف مين اللي دبس أمي وعمل اللعبة دي كلها.. والشخص ده قاعد معانا هنا في نفس القاعة.
جوزي طارق وقف يشهد ضدي، وبيقول بكل عين قوية إني سرقت فلوس شركتنا.. الشركة اللي بنيناها سوا طوبة طوبة على ترابيزة المطبخ بدم وعرق شقا سنين.
بص للمستشارين والقضاة وقال هي اللي زورت إمضائي، ومسحت الحسابات كلها ومسابتش مليم.
كنت عمالة أصرخ وأقول لكل اللي واقفين والله العظيم ما أخدت حاجة، أنا مظلومة!، بس محدش كان بيسمعلي، وكلامي كله كان بيروح في الهوا.
حتى بنتي قاطعتني ورفضت تتكلم معايا.. ست سنين كاملين وأنا متشالة في عيون الناس كأني مجرمة، واللقب ده كلفني كل حاجة أملكها.. سمعتي، وعيلتي، وحريتي اللي راحت.
وفي يوم النطق بالحكم، كنت خلاص سلمت أمري لله ورضيت بقضائه، وقلت خلاص بقية عمري هيضيع في السجن ظلم بسبب الكذبة دي.
بس في اللحظة دي بالذات، ظهر ابني يوسف اللي عنده 9 سنين عند باب القاعة.
كان باين عليه إنه كبر وطول، ولابس الشنطة الزرقاء اللي كنت شاريها له قبل ما دنيتي تتهد فوق دماغي. بس صوته لسه فيه نبرة البراءة وهو بيقرب من التربيزة بتاعتي.
قال لي بصوت واطي ماما.. اللي عمل فيكي كده وقص الملعوب ده قاعد هنا.
جسمي كله اتخشب من الصدمة، وقلت له أنت بتقول ايه يا حبيبي؟
دقن يوسف بدأت تترعش وهو بيتكلم أنا شوفتهم وهم بيفتشوا في مكتبك.. ولقوا الأجندة اللي كنتِ كاتبة فيها كل الباسوردات

بتاعتك.
طارق أول ما سمع الكلام ده اتنفض من مكانه ووشه اتخطف، وقال يا سيادة القاضي، ده كلام مش مظبوط ولعب عيال! ده طفل غلبان وبيحاول ينقذ أمه بأي كلام!
القاعة كلها اتقلبت وبقى فيها همهمة وشوشرة بين الناس.
الخبطة بتاعة شاكوش القاضي رنت في المكان وهو بيزعق هدوء في القاعة! يا ابني، الكلام اللي بتقوله ده خطير وصعب جداً.. هل أنت قد كلامك وتقدر تشاور على الشخص ده؟
يوسف وقف بكل ثبات، وفرد جسمه الصغير وقال أيوه يا سيادة القاضي، مستعد.
ورفع صباعه ببطء، وعدى بيه من فوق المحامين والمستشارين، لحد ما ثبت صباعه وحدد هدفه بالظبط.
القاعة كلها اتقطعت منها النفس ومبقاش فيها همسة، ووش طارق اتقلب وبقى أصفر زي الليمونة من الرعب.
القاضي بصل ليوسف بتركيز وقال له شاور يا ابني، مين الشخص ده؟
صباع يوسف الصغير كان بيشير بثبات رهيب ومتجه مباشرةً ل.. طارق!
طارق رجع خطوة لورا ووشه جاب ألوان، وبدأ يعرق ويرتعش وهو بيزعق أنت اتجننت يا ولد؟ أنا أبوك! سيادة القاضي، الولد ده أمه غسلت مخه ومفهمينه كلام يقوله!
بس يوسف متهزش، وفتح الشنطة الزرقاء بتاعته وطلع منها تليفون تابلت صغير، وقال بصوت هز القاعة أنا معايا الدليل يا سيادة القاضي.. أنا كنت بنزل ألعاب على تليفون بابا القديم، والبرنامج سجل فيديو ليه وهو بيقعد مع المحامي بتاعه في الصالون عندنا، وكانوا بيخططوا إزاي ينقلوا الفلوس لحساب بره باسم بابا، وإزاي هيحطوا الأجندة بتاعة ماما في المكتب عشان البوليس يلاقيها.. الفيديو أهو، والتاريخ بتاعه قبل الميزانية ما تتسرق بيومين.
المحامي بتاعي وقف بسرعة وقال
سيادة القاضي، بنطالب بتقديم الدليل ده فوراً للمحكمة وتفريغه.
في اللحظة دي، طارق رجليه مشلتهوش وقعد على الكرسي وهو حاطط راسه بين إيديه، وعارف إن حبل الكذب قصير وإن ربنا مبيرضاش بالظلم.
القاضي أخد التليفون وطلب من حرس المحكمة التحفظ على طارق ومنعه من الخروج.. وبعد دقايق من الصمت والترقب اللي حبست أنفاس الكل، ضرب القاضي بالشاكوش وقال تؤجل الجلسة لرفعها للمداولة، وتحويل المدعو طارق للتحقيق بتهمة التزوير والبلاغ الكاذب والشهادة الزور.. والإفراج المؤقت عن المتهمة.
أنا مكنتش مصدقة ودنوعي نزلت زي المطر، سجدت في الأرض شكر لله رب العالمين اللي نصرني وأظهر الحق في أحلك لحظة. قمت وجريت على يوسف وأخدته في حضني وأنا بصرخ وبقول الحمد لله.. الحمد لله يا رب.. الحق ظهر.
بنتي اللي كانت واقفة بعيد ودموعها مغرقة وشها، جرت عليا وهي بتعيط ورمت نفسها في حضني وبتقول سامحيني يا ماما.. سامحيني يا حبيبتي أنا أسفة.
ربنا رجع لي حقي، ورجع لي عيلتي، وبقت المحكمة كلها تبص لطارق باحتقار وهو خارج في إيد الحرس، والكل بيردد سبحان المطلع على القلوب.. ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
طارق وهو خارج والكلبشات في إيده، بصلي بصه كلها غل وندم، بس خلاص.. اللي بيزرع شر بيحصده، وربنا مبيسيبش حق المظلوم.
القاضي أمر بإخلاء سبيلي فوراً وسط زغاريد وفرحة من كام حد من قرايبي اللي كانوا حاضرين ومصدومين من الصدمة، والمحامين بتوعي بقوا يباركوا لي ويقولوا لي مبروك يا مدام، ربنا نصرك ونصر ابنك البطل.
أنا مكنتش شايفة ولا سامعة حد غير يوسف، فضلت حاطة راسي على
راسه وببوس إيديه اللي ربنا جعلها سبب في نجاتي، وهو كان بيمسح دموعي ب إيديه الصغيرة ويقولي خلاص يا ماما، متعيطيش.. إحنا راجعين البيت سوا، ومحدش هيقدر يبعدك عننا تاني.
خرجنا من باب المحكمة، ولأول مرة من ست سنين أحس بنسمة هواء نضيفة تدخل صدري. الشمس كانت طالعة وكأنها بتغسل السواد اللي عيشته كله.
بنتي ياسمين مكانتش سايبة إيدي، عمالة تبوسها وتعتذر وهي بتعيط بحرقة والله يا ماما أنا كنت غبية، بابا كان دايماً يفرّجني على ورق مزور ويقولي أمك ضيعت مستقبلنا.. سامحيني يا أمي، أنا بنتك واشتركت في ظلمك.
أخدتها في حضني وضمتها هي وأخوها وقلت لها مسامحاكي يا قلب أمك، أنتي كنتِ صغيرة ولعّب في دماغك، المهم إنكم رجعتوا لحضني، ودعاء الفجر اللي كنت بدعيه كل يوم مجاش الأرض.. ربنا عادل يا بنتي.
المحامي بتاعي لحقنا بره وقال لي إن القضية كده انتهت لصالحنا تماماً، وإن طارق مش بس هيتسجن بتهمة التزوير والشهادة الزور، لا ده كمان كل الفلوس والشركة اللي سرقها هترجعلي بحكم القانون وبقوة الملفات اللي يوسف قدمها.
بصيت ليوسف وقلت له أنت جبت المقطع ده منين يا حبيبي؟ وإزاي شيلته كل السنين دي؟
يوسف ابتسم وقال لي أنا شلت التابلت ده في بطانة الشنطة الزرقا اللي أنتِ جبتيهالي يا ماما، ومكنتش بطلعه خالص.. وبابا افتكر إني نسيت التليفون أو ضاع. ولما عرفت إن النهاردة جلسة الحكم، عرفت إن ده وقت الأمانة اللي شايلها عشان أنقذك.
رفعنا إيدينا إحنا الثلاثة للسماء، وبقلب صافي شكرنا ربنا اللي مبيرضاش بالظلم، وعرفنا إن مهما طال ليل الكدب، فجر الحق لازم بيطلع، وإن
اللي معاه ربنا مبيضيعش أبداً.

تم نسخ الرابط