البيت مش للبيع حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

البيت هيتباع، ده اللي قاله أبويا وهو رافع شومة في نص صالة جدتي، في نفس الوقت اللي أمي كانت بتتمسح فيا وبتترجاني عشان أشيل ديون أختي. أول ما الضربة نزلت عليا ركبتي خبطت في الأرض، وبعد ثواني الباب اتخلع.. الحاجة الوحيدة اللي لجمت الكل وخلاهم يثبتوا مكانهم هي جملة اتقالت بصوت عالي من واحد من الظباط وهو بيبصلي بذهول وبينطق رتبتي.
أبويا وأمى رموني من حياتهم من تسع سنين.
الموضوع مكنش فيه لا عياط ولا دراما، أبويا قفل الصفحة بالطريقة الوحيدة اللي يعرفها كلمة سيف ومفيش نقاش. كان عايزني أكمل في ورشة السباكة بتاعة العيلة، وأنا اخترت البحرية.. بالنسبة له، ده كان معناه إني اديت ضهري لكل حاجة تهمه.
فمشيت.
بنيت نفسي بنفسي، ووصلت لرتبتي بمجهودي. اتعلمت إزاي أسند نفسي في أماكن مفيش فيها حد يسندني. الشخص الوحيد اللي مسبنيش كانت جدتي؛ كانت بتبعتلي جواب في كل عيد ميلاد، ومع كل ترقية، ومع كل مأمورية. جواباتها كان دايما فيها ريحة صابون اللافندر، وفي كل مرة كانت بتوصيني بنفس الكلمتين
شوفي شغلك، خليكي حنينة، وم تخليش الدنيا تقسي قلبك.
لما اتوفت، سابتلي بيتها اللي في سيلفر ريدج.
مكانش قصر، مجرد بيت أبيض صغير بمرجيحة في البلكونة وشوية ورد حوالين السور. بس ده كان بيتها،

وفي وصيتها سمته مكاني الآمن. أبويا وأمي وصلهم جواب العزا، وأختي خدت الطبطبة، أما أنا.. فخدت عقد الملكية.
وهنا بقى افتكروا إن ليهم بنت.
في الأول دخلو لي من مدخل إحنا خايفين عليكي، وإن أختك حالها واقف وديونها كترت، وفي طفل تاني جاي في السكة. أبويا قال إن البيت لازم يفضل باسم العيلة، حاجة تضحك والله، يعني أنا مكنتش عيلة طول العشر سنين اللي فاتوا، وأول ما ظهر ورث بقيت بنتهم حبيبتهم؟
قولتله لأ.
بكل هدوء وبساطة لأ.
والكلمة دي فضلت واقفة في زورهم، وكل ما ييجوا كانت بتكبر وتتقل أكتر.
لحد ما جت ليلة جمعة حر، ولقيتهم ناطين لي تاني.
أبويا كان شايط من قبل ما يفتح الباب، ريحته كانت سبقة خطوته، ريحة سجاير وعرق ورغبة قديمة في إنه يكسر اللي قدامه. أمي دخلت وراه وهي بتفرك في إيدها بقلة حيلة، وأختي فضلت واقفة برا، قريبة عشان تسمع وبعيدة عشان متتحملش المسؤولية.
عاد نفس الأسطوانة.
أختك محتاجة الفلوس.
جدتك مكنتش واعية وهي بتكتب الوصية.
إنتي طول عمرك شايفة نفسك أحسن مننا.
وقفت في الصالة، تحت صورة جدتي، ورديت بنفس الرد بتاع كل مرة
البيت مش للبيع.
عينه جت على برواز الوصية اللي محطوط فوق المدفأة.
في اللحظة دي، في حاجة جواه اتكسرت.
موش حزن، ولا وجع على فراق أمه.. كان إيغو
وجرح كرامة. النوع اللي مستعد يهد المعبد كله ولا إنه يعترف إنه اتهزم.
سحب شومة كانت ساندة جنب شماعة الهدوم، ولف ناحيتي وهو بيقول إنتي فاكرة إن ورقة زي دي هتخليكي أحسن من أهلك؟
قولتله نزل اللي في إيدك ده.
أمي ندهت اسمه بخوف، كأنها بتحاول تفوقه.
وفجأة.. سمعت صوت الخبطة.
الشومة نزلت بكل غل، لدرجة إنها شفطت الهوا من صدري. وقعت على ركبة واحدة على سجادة جدتي، إيد ساندة جسمي وإيد ماسكة جنبي من الوجع اللي كان عامل زي السكاكين وبدأ يغيبني عن الوعي.
في وسط الوجع ده، سمعت السرينة.
قريبة جداً وبصوت عالي شق السكون.
الباب اتخلع، وصوت جزم ميري بتجري على الأرض. عساكر القسم دخلوا، والظابط بيزعق في أبويا عشان يرمي الشومة.
بس الصوت التاني هو اللي قلب الموازين.
واحد من ظباط الدورية شافني واقعة على الأرض، بص في وشي، وبعدين لمحت عينه شريط الرتب اللي متعلق في البرواز على الحيطة.. فجأة، وقف انتباه وجسمه اتفرد.
وبصوت حاد ورسمي قال سيادة القائد ستيرلينج! يا فندم، إنتي بخير؟
الظابط لما نطق رتبتي سيادة القائد، الصالة فجأة ساد فيها هدوء مرعب، مكنش بيقطعه غير صوت نهجان أبويا وهو لسه ماسك الشومة. العساكر اللي كانوا داخلين يفكوا خناقة عائلية، فجأة وضعهم اتغير، وبقوا قدام مهمة تأمين
ضابط كبير في القوات البحرية.
أبويا وشه جاب ألوان، الشومة وقعت من إيده وكأنها بقت جمرة نار. بص للظابط بذهول وقال بتلعثم قائد إيه يا حضرة الظابط؟ دي بنتي.. إحنا بس كنا بنربي...
الظابط مقطعهوش، هو حرفياً داس على كلامه اربطوه وخدوه على العربية، ومعاه المدام والست اللي واقفة برا دي.
أمي بدأت تصوت وتلطم يا لهوي! ناخد بنتنا ونمشي يا حاج، دي حكومة يا حاج! لكن العساكر مكنش عندهم ياما ارحميني. الكل اتسحب على برا والكلبشات في إيديهم، وأنا كنت لسه بحاول أصلب طولي، السكينة اللي في جنبي بدأت تبرد وتتحول لوجع مكتوم.
الظابط قرب مني بإحترام وقدم لي التحية العسكرية يا فندم، الإسعاف في الطريق. إحنا جالنا بلاغ من الجيران بوجود تهجم، مكنتش أعرف إن حضرتك صاحبة البيت.
سندت على طرف الكنبة وقولت بجمود مش عايزة إسعاف.. عايزة محضر بالواقعة، هجوم، شروع في قتل، وتعدي على ملكية خاصة.
بعد يومين، كنت قاعدة في الصالة لوحدي. البيت كان هادي بزيادة، ريحة اللافندر لسه مالية المكان، بس فيه شرخ في الحيطة مكان الشومة بيفكرني باللي حصل. المحامي بتاعي اتصل بيا سيادة القائد، أهلك في القسم وبيموتوا عشان يتنازلوا. أختك باعتة رسايل بتقول إنها هتسقط من كتر التوتر.
فتحت درج مكتب جدتي، لقيت جواب
قديم مكنتش قريته قبل كدة. كان مكتوب فيه
تم نسخ الرابط