طفل مشرد حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

إنه مفهمش إيه اللي بيحصل، بس قّرب بدافع الغريزة والواجب.
على شباك تاني، ست لابس بدلة غامقة لمحت الموقف، لفت نظرها التحول الخفي اللي حصل في الجو. الناس غالباً بتحس إن فيه حاجة غلط قبل ما تفهم السبب الحقيقي.
عادل ريقه نشف وبلع ريقه بصعوبة، وميل ناحية الشاشة تاني، عشان الأرقام رافضة تستقر على أي حاجة عقلانية ومفهومة. وكل ما يبص أكتر، كل ما تبان مستحيلة أكتر وأكتر.
ممكن تتأكد من اسمك؟ سأله، وصوته بقى أوطى وأهدى دلوقتي، عشان اليقين اللي كان عنده من شوية بدأ يتهز ويضيع.
الولد بصله بهدوء تام، ملامحه متغيرتش ولا اهتزت، كأنه كان متوقع السؤال ده من الأول خالص.
رد بصوت ثابت وواضح، ومن غير أي تردد كالوم فانس.
عادل كتب الاسم في النظام، رغم إن أفكاره كانت بتتسابق وبتخبط في بعضها، بيحاول يفهم حاجة عقلة رافض يمنطقها ويستوعبها.
النظام استجاب تاني.
ومرة تانية، أكد على نفس النتيجة المستحيلة.
عادل حس إن الدنيا بتلف بيه، بص حواليه لقى مدير الفرع، أستاذ رأفت، معدي بالصدفة، فناداه بصوت مبحوح يا رأفت بيه، لو سمحت ثانية واحدة.. الجهاز فيه حاجة مش طبيعية.
رأفت قرب وهو بيعدل نضارته بزهق في إيه يا عادل؟ السيستم وقع ولا إيه؟ أول ما عينه
جت على الشاشة، ملامح الوش الصارمة اختفت وحل مكانها ذهول تام. الأرقام اللي قدامه مكنتش بس كتير، دي كانت أرقام حسابات دولية سيادية، النوع اللي مبيظهرش غير في البنك المركزي أو لجهات عليا جداً، والنوع ده من الحسابات ملوش سقف، كأنه بير ملوش قرار.
رأفت بص للولد اللي واقف بمنتهى البرود، وسأله بنبرة فيها احترام مفاجئ مخلوط بخوف يا حبيبي، الكارت ده بتاع مين؟
الولد رد بهدوء بتاع جدي، وقالي إن وقت ما أحتاج، البنك هيعرف يتصرف.
رأفت بلع ريقه وبص لعادل وقال له اقفل الشباك ده فوراً، ومحدش يدخل المكتب ورايا. وشاور للولد اتفضل معايا يا أستاذ.. يا أستاذ كالوم، نشرب حاجة في المكتب جوه.
دخلوا المكتب، ورأفت إيده بترعش وهو بيطلب رقم تليفون خاص جداً، رقم مبيضربش غير في الكوارث. وفي ثواني، المكتب اتحول لغرفة عمليات. اتضح إن الاسم كالوم فانس مش مجرد اسم، ده كود لحساب اتقفل من 40 سنة، حساب كان بيغذي مشاريع ضخمة في البلد ومحدش يعرف صاحبه الحقيقي فين، والوريث الوحيد اللي له حق السحب هو اللي معاه الكارت الأسود ده والبصمة الجينية اللي في الظرف البني.
رأفت فتح الظرف، لقى فيه جهاز صغير، الولد حط صباعه عليه، وفجأة الشاشة نورت بلون أخضر، وظهرت
رسالة واحدة تم تفعيل الوصول الشامل.
في اللحظة دي، تليفون المكتب رن، وكان المتحدث هو رئيس مجلس إدارة البنك شخصياً من المركز الرئيسي رأفت! أنت عندك دلوقتي طفل ببيانات الحساب X90؟
رأفت رد بصوت مهزوز أيوة يا فندم، هو قدامي دلوقتي.
الرئيس رد بلهجة حاسمة اسمعني كويس، الولد ده ميتمنعش عنه مليم، وكل طلباته تتنفذ في صمت. أنت مش فاهم الكارت ده معناه إيه.. الكارت ده يقدر يشتري البنك اللي أنت قاعد فيه بالموظفين بالمنطقة اللي حواليه في خمس دقايق!
رأفت بص للولد اللي كان قاعد بيأكل بسكوت ببرود ولا كأن فيه حاجة بتحصل، وسأله تؤمر بإيه يا فندم؟
الولد ساب البسكوته، وبص له بعينين فيها ذكاء مرعب وقال له مش عاوز كتير، عاوز بس أسدد ديون المدرسة اللي أنا فيها عشان ميهددوش بطرد زمايلي اللي مش قادرين يدفعوا المصاريف.. والباقي خليه مكانه، لسه وقته مجاش.
خرج الولد من البنك زي ما دخله، بكل هدوء، وساب وراه موظفين مش عارفين يلموا أعصابهم، ومدير بنك قاعد على مكتبه بيفكر إن العالم اللي كان فاكره ماشي بالمسطرة، طلع فيه أسرار أكبر بكتير من مجرد أرقام على شاشة.
دي كانت حكاية الولد اللي هز كيان بنك بكارت قديم، وعلمهم إن القيمة مش في اللمعة، القيمة
في اللي شايل الكارت.
رأفت فضل قاعد في مكتبه مش قادر يتحرك، والولد خرج من الباب والكل عينه عليه، بس محدش عارف السر اللي خلى مدير البنك يقوم يقف له تعظيم سلام. عادل الموظف دخل المكتب وهو بينهج يا رأفت بيه، أنا مش فاهم حاجة.. الأرقام دي حقيقية؟
رأفت بصله بجمود وقال له عادل، انسى اللي شوفته النهاردة، والبيانات دي تتمسح من عندك تماماً. الولد ده لو حد عرف عنه حاجة، مش إحنا بس اللي هنروح في داهية، دي رؤوس كبيرة هتقع.
في الوقت ده، كالوم كان ماشي في الشارع بهدوء، وركب عربية سوداء قديمة كانت مستنياه على الناصية. جوه العربية كان فيه راجل عجوز بشنبات بيضاء، لابس لبس بسيط جداً بس نظراته حادة زي الصقر.
عملت إيه يا كالوم؟ سأل العجوز.
الولد بص له وابتسم زي ما قولت يا جدي، دخلت وجربت الكارت، والمدير كان هيقع من طوله. سددت مصاريف المدرسة، بس الحساب لسه مليان.. مليان قوي.
العجوز اتنهد وقال الحساب ده مش فلوس يا ابني، ده أمانة. الأرقام اللي الموظف شافها دي هي شفرة إدارة نص موارد البلد اللي استخبت سنين عشان م تقعش في إيد الحرامية. ودلوقتي، وأنت لسه عندك 7 سنين، لازم تتعلم إن القوة مش في إنك تصرف، القوة في إنك تحمي.
الولد سكت شوية
وبعدين سأل طيب والبنك؟ مش ممكن
تم نسخ الرابط