سر خطير حكايات صافي هاني
الشمس كانت بتحرق الصخر في ميدان التحرير، والجو نار. "فرح"، ملازم أول عندها 28 سنة، كانت واقفة في طابور عرض عسكري وصامدة زي الوحش، رغم إن البيادة كانت تقيلة في رجليها بشكل مش طبيعي. العرض كان فيه مئات المتفرجين، بس جوه جسم فرح كانت فيه عاصفة ساكتة وخلاص هتنفجر. فجأة الدنيا اسودت في عينيها، ووقعت "جثة هامدة" وسط ذهول القادة والناس. في خمس دقايق كانت الإسعاف شايلاها وطايرة بيها على أكبر مستشفى استثماري في القاهرة.
وصلت والدتها، "ست روزا"، ست مصرية أصيلة عندها 67 سنة، شقيت وتعبت عشان توصل بنتها للمكانة دي. لقت "ياسين" خطيب فرح مستنيها في الطرقة. ياسين ده ابن عيلة سياسية تقيلة، ومن النوع اللي بيبص للناس من فوق ومنظرة على الفاضي.
الدكتور "شريف"، رئيس الفريق الطبي، طلع وهو بيعدل نضارته الماركة وقال ببرود: "يا مدام روزا، إحنا عملنا اللي علينا وزيادة. 15 استشاري من تقال مصر شافوها، وعملنا أشعة مقطعية ورنين وتحاليل سموم.. كله طالع سليم، بس للأسف بنتك ميتة إكلينيكياً. مفيش أمل."
فات تلات أيام وفرح لسه في أوضة 307، عايشة على الأجهزة. ياسين بدأ يلعب على "ست روزا" دور الحزين وهو عينه على مصلحته: "يا طنط، فرح مش هترضي تعيش كدة، مصاريف المستشفى خرمت جيبي، والرحمة بتقول إننا نشيل الأجهزة النهاردة.. وخلينا نخلص إجراءات بوليصة التأمين عشان نسدد الديون اللي علينا."
في الوقت اللي الـ 15 دكتور كانوا بيجادلوا في الطرقة كلام علمي ملوش لازمة، كان "محمود" بيزق جردل المسح ببطء. محمود عنده 45 سنة، ولابس بدلة السجن البرتقالي لأنه بيقضي عقوبة
محمود دخل أوضة 307، وعينه لقطت حاجة الـ 15 دكتور مشافوهاش. الممرضة وهي بتعدل إيد فرح عشان الكانيولا، صوابع فرح اليمين اتحركت "رعشة" معينة جداً. محمود اتسمر مكانه، وخبرته القديمة اشتغلت.
قرب براحة.. هو عارف إن فرح كانت شغالة في "القلعة" وبترمم أسلحة أثرية. افتكر حالة شافها زمان: تسمم مزمن بمادة "التريكلوروإيثيلين"، ده مذيب بيستخدموه لتلميع المعادن القديمة وهو سم قاتل. من غير تفكير، طلع لـ ياسين والدكتور شريف وقطع طريقهم.
"يا دكتور، لو سمحت"، محمود قالها بكل ثقة، "المريضة عندها تشنج عصبي مش متماثل. الأعراض دي مع طبيعة شغلها بتقول إنها متسممة بـ (كلورات عضوية). لو مخدتش حقنة EDTA في الساعتين الجايين، الدماغ هتدمر تماماً."
ياسين بصله بقرف وقال: "إنت مين يا رد سجون إنت؟ إنت حتة زبال بتمسح البلاط! يا دكتور، خرجوا القرف ده بره، خطيبتي ليها كرامتها!"
الدكتور شريف نادى الأمن من غير ما يبص لمحمود أصلاً: "خدوا المسجون ده من هنا فوراً!"
طردوا محمود، بس ضميره مريحوش. الساعة 2 الصبح، غافل الكاميرات ورجع أوضة 307 وهو بيخاطر بمستقبله. طلع كشاف صغير وفحص ضوافر فرح.. لقى اللون اللي كان مستنيه. الدليل القاطع.
وهو بيلف عشان يهرب، الباب اتفتح فجأة. ياسين كان واقف ومعاه اتنين أمن، وفي إيده "سرنجة" فيها سائل شفاف وبيقرب من المحلول بتاع فرح.. وعينه كان فيها نظرة شر وسواد ملهومش آخر.
اللي حصل بعد كدة ميتصدقش.
ياسين اتجمد مكانه للحظة لما شاف محمود، والسرنجة في إيده بتترعش. محمود صرخ فيه بصوت مكتوم: "إنت بتعمل إيه؟ السرنجة دي فيها إيه؟"
ياسين استعاد جبروته بسرعة وبص للأمن وقال: "إنتوا واقفين تتفرجوا؟ المسجون ده حاول يتهجم عليا ويقتل الملازم فرح! ارموه بره وبلغوا القسم فوراً!"
الأمن هجموا على محمود، وفي وسط الخناقة، محمود زق واحد منهم ووقع "السرنجة" من إيد ياسين على الأرض. السائل اللي فيها دلق، وريحة نفاذة جداً مالت الأوضة. محمود شمها وصرخ: "دي مادة بتوقف عضلة القلب! إنت مش بس نصاب، إنت قاتل!"
في اللحظة دي، دخلت "ست روزا" ومعاها دكتور شاب "امتياز" كان محمود اتكلم معاه الصبح وقدر يقنعه بموضوع التسمم. الدكتور الشاب لما شاف المنظر والسرنجة اللي في الأرض، شك في الموضوع. محمود استغل الهرجلة وجري على فرح، وبكل قوته ضغط على "نقطة عصبية" في رقبتها وهو بيصرخ في الدكتور الشاب: "الحقها بحقنة الـ EDTA فوراً، مفيش وقت!"
ياسين حاول يمنعهم، بس "ست روزا" وقفت قدامه زي السد، وقالتله بعين مليانة شك: "لو بنتي جرالها حاجة بسببك، مش هرحمك يا ابن الأكابر."
الدكتور الشاب، تحت ضغط اللحظة، جازف وجاب الحقنة واداها لـ فرح في المحلول. الكل وقف يحبس أنفاسه.. ثانية.. اتنين.. تلاتة.. وفجأة، جهاز رسم القلب بدأ يصفر بانتظام، وفرح خدت "نفس" عميق وكأن الروح ردت فيها، وفتحت عينيها نص فتحة وهي بتهته بكلمة واحدة: "ياسين.. المبرد.."
محمود فهم اللعبة فوراً. بص لياسين وقال: "المبرد اللي كانت بتلمع بيه السلاح
ياسين وشه بقى لون السبورة، وحاول يهرب، بس البوكس كان وصل المستشفى بناءً على بلاغ "التهجم" اللي هو عمله.. بس المرة دي، الكلبشات مكنتش لمحمود. الدكتور الشاب والتمريض شهدوا باللي شافوه، ومحمود قدم لظابط المباحث "إزازة المبرد" اللي كان لقاها في شنطة فرح وكان مخبيها كدليل.
بعد أسبوع، فرح فاقت وبقت زي الفل، ومحمود مخدش بس براءة في قضيته القديمة، ده اتعين مستشار علمي في الطب الشرعي بفضل ذكائه. أما ياسين، فبقى هو اللي لابس البدلة الزرقاء، وبيستنى "الزيارة" اللي مفيش حد بيروحها له.
الحق مبيضعش، حتى لو اللي بيدور عليه "راجل بيمسح الأرض".
بعد ما ياسين اتجرجر في الكلبشات وصوته كان مالي المستشفى وهو بيهدد بعيلته ونفوذه، الدنيا هديت تماماً في أوضة 307. فرح بدأت تسترد وعيها بالكامل، وبصت لأمها "ست روزا" اللي كانت بتبكي من الفرحة وهي مش مصدقة إن بنتها رجعت من الموت.
محمود كان واقف بعيد عند الباب، لابس لبس السجن البرتقالي وباصص للأرض، مستني الأمن يرجعه الزنزانة تاني بعد ما "خالف التعليمات". فرح سألت بصوت واهن: "مين ده يا ماما؟"
ست روزا ردت وهي بتمسح دموعها: "ده اللي أنقذ حياتك يا بنتي.. ده اللي كشف اللعبة اللي كان عاملها اللي ميتسمي ياسين."
فرح طلبت من محمود يقرب، وبصت في عينيه وقالتله: "أنا سمعت كل كلمة وأنا غايبة عن الوعي.. كنت حاسة بروحك وهي بتحاول تنقذني وسط بحر من الضلمة. إنت مش مجرد عامل نظافة، إنت إنسان عظيم."
المفاجأة