تضحية ام حكايات صافي هاني
رؤوف كان عنده كل حاجة الناس بتفني عمرها عشان توصلها.
فلوس، أملاك، نفوذ.. وعايش في فيلا وسيعة لدرجة إن خبطة رجله كان ليها صدى بييرن في الحيطان الفاضية.
بس من يوم ما والده توفى، وكل الحاجات دي بقى طعمها ماسخ وفارغ بشكل غريب.
بقى له أسابيع بيتمشى في "ميدان الكورنيش" من غير هدف. الميدان دايماً زحمة - بياعين بينادوا على أكل عيشهم، عيال بتجري، وصوت الموج بيخبط في السور بهدوء - ورغم الزحمة دي، كان رؤوف ماشي وسطهم كأنه خيال، مش واصل للدنيا اللي حواليه.
وصية والده الأخيرة كانت بتطارده في كل مكان:
"يا ابني، اسمع صوت الحياة بجد.. الفلوس عمرها ما هتعلمك ده."
الجو في اليوم ده كان فيه ريحة المطر مع ريحة عيش سخن طالع من فرن قريب، والشمس كانت بتهرب وبتسيب ضلها على الرصيف.
ولأول مرة من فترة طويلة، رؤوف هدي سرعته ووقف.
وهناك شافهم.
على دكة خشب تحت شجرة كبيرة، كانت قاعدة ست شابة، وفي حضنها علبة بلاستيك بيضا صغيرة. كان ساند عليها طفلين - ولد عنده حوالي 8 سنين شعره منكوش شوية، وبنت صغيرة عينيها واسعة أوي على وشها الضعيف.
هدومهم كانت قديمة ومغسولة بزيادة، من نوع الهدوم اللي بتقول إن صاحبها بيعافر عشان يفضل شكله نضيف ومستور وكرامته فوق الكل.
الست فتحت العلبة.
جواها كانت وجبة بسيطة جداً.
قسمت الأكل لثلاث نوابت.
نايبين كبار كفاية يسدوا جوع طفل.
والتالت كان يدوب كام معلقة.
ومن غير تفكير، ادت النايبين الكبار لعيالها.
وخلت الحبة الصغيرين لنفسها.
رؤوف وقف مكانه مذهول.
الست ماكانتش بتمثل، ولا بتشتكي،
ده كان قرار هادي وبسيط.
أم اختارت تجوع عشان عيالها يشبعوا.
في حاجة جوه قلب رؤوف اتحركت بشكل عمره ما جربه.
العيال بدأوا يأكلوا بالراحة.. الولد وشوش أخته بكلمة خليتها تضحك، وهي كانت بتحاول تطول في كل قطمة عشان ماتخلصش. والست رفعت المعلقة لبقها مرة.. وبعدين نزلتها تاني.
إيديها كانت بتترعش بسيط.
مش خوف.. ده كان رعشة هبوط وقلة حيلة.
رؤوف خد خطوة لقدام.
وبعدين خطوة تانية.
العقل اللي مشى بيه حياته كلها كان بيقوله "كمل طريقك وماتوجعش دماغك"، الثروة علمته يخاف من المشاكل ومايدخلش نفسه في حوارات.
بس في صوت تاني - أقدم وأحن - طلع جواه:
"لما تشوف حد بيتوجع وتدير وشك، ده اختيار برضه.. بس اختيار قاسي."
الميدان لسه زحمة، الناس بتعدي، والبياعين بيفرشوا، وكأن مافيش حاجة حصلت.
الست مالت بجسمها شوية وسندت راسها بإيديها كأنها دايخة.
الولد خد باله في ثانية وقرب منها بخوف.
هي ابتسمت له - ابتسمة مكسورة بس فيها حنية الدنيا كلها، كأنها بتقوله "أنا تمام" وهي بتتهد من جوه.
في اللحظة دي، رؤوف عرف إنه مش هيقدر يكمل مشي ويسبهم.
قرب منهم براحة عشان مايخضهومش.
"لو سمحتي.." قالها بصوت واطي وهادي.
الست رفعت راسها، كانت مخضوضة. عينيها كانت تايهة وتعبانة بس لسه فيها عزة نفس. عدلت هدومها بسرعة وهي بتحاول تلملم كرامتها.
"إحنا كويسين يا أستاذ، خير؟" قالتها بذوق بس بحذر.
لكن الولد وقف قدامها نص خطوة.
جسمه صغير.. بس كان عامل زي الحارس.
طفل الدنيا علمته بدري إن الأمان
رؤوف وقف بعيد عنهم بشوية.
وفهم في اللحظة دي حاجة أهم من كل فلوسه.
الموضوع مش موضوع قرشين هيديهم لحد.
الموضوع إنك "تشوف" البني آدم اللي قدامك بجد.. وترفض إنك تعمل نفسك مش واخد بالك.
بس اللي حصل بعد دقايق في الميدان ده..
كان حاجة رؤوف عمره ما يتخيلها.
لأن الست اللي قاعدة على الدكة دي كانت مخبية سر هيقلب كيانه - ويغير حياته كلها
رؤوف فضل واقف مكانه، وفي اللحظة اللي كان هيطلع فيها محفظته، الست قامت وقفت فجأة، ووشها اصفرّ أكتر.
الولد الصغير مسك إيدها وهو مرعوب وصرخ: "ماما! أنتي تعبانة تاني؟"
رؤوف مد إيده يسندها قبل ما تقع، وفي اللحظة دي عينه جت على "سلسلة" فضة قديمة كانت لابساها في رقبتها، السلسلة دي كان فيها دلاية على شكل "ترس وسنبلة" وعليها حرفين (م. ر).
رؤوف جسمه قشعر.. الحرفين دول هما اختصار لاسم والده "منير رضوان"، والترس ده كان شعار أول ورشة والده بدأ فيها حياته قبل ما يبقى مليونير.
رؤوف سألها بصوت بيترعش: "السلسلة دي جبتيها منين؟"
الست وهي بتنهج وبتحاول تتماسك، بصت له باستغراب وقالت: "دي حاجة من ريحة والدي.. كان شغال ميكانيكي بسيط وسابها لامي قبل ما يموت، وقالي إن صاحب الورشة كان أعز صديق ليه، وأنه كان أمين عليه في كل حاجة."
رؤوف حس إن الدنيا بتلف بيه.. والده في وصيته كان كاتب جملة غريبة وقتها مفهمهاش: "يا رؤوف، نصيبي في الدنيا مش بس اللي في البنوك، في أمانة عند "الأسطى عبده" يا ريت تروح تسددها، دي اللي هتبارك لك في الباقي."
رؤوف قعد أسابيع
الست دي هي بنت الراجل اللي شال والد رؤوف في بداياته، الراجل اللي سلف والده أول قرش يبدأ بيه وتعب معاه وسنده، ولما والده بقى مليونير، فضل يدور عليهم عشان يرد الجميل، بس هما كانوا عزلوا واختفوا في زحمة الدنيا.
رؤوف بص للعيال، وبص للست اللي كانت بتجوع عشان خاطرهم، وفهم دلوقتي ليه والده قاله "اسمع صوت الحياة".. الحياة كانت بتبعتله "أهله" اللي من غير دم، الناس اللي ليهم فضل في كل مليم هو بيملكه دلوقتي.
رؤوف مطلعش فلوس من جيبه.. هو طلع كارت الشغل بتاعه وقالها بدموع في عينه: "أنا مش غريب.. أنا ابن منير رضوان. وأنتي مش محتاجة مساعدة، أنتي ليكي حق وأمانة عندي بقالها سنين، وآن الأوان إنها ترجع لصحابها."
من اليوم ده، البيت الكبير اللي كان صوته فيه صدى، مابقاش فاضي.. والوجع اللي كان في قلب رؤوف اختفى، لأنه عرف إن أصعب حاجة في الدنيا مش إنك تجمع فلوس، الأصعب إنك تلاقي "الناس" اللي يستاهلوا تعيش عشانهم.
رؤوف فضل واقف مكانه، وفي اللحظة اللي كان هيطلع فيها محفظته، الست قامت وقفت فجأة، ووشها اصفرّ أكتر.
الولد الصغير مسك إيدها وهو مرعوب وصرخ: "ماما! أنتي تعبانة تاني؟"
رؤوف مد إيده يسندها قبل ما تقع، وفي اللحظة دي عينه جت على "سلسلة" فضة قديمة كانت لابساها في رقبتها، السلسلة دي كان فيها دلاية على شكل "ترس وسنبلة" وعليها حرفين (م. ر).
رؤوف جسمه قشعر.. الحرفين دول هما اختصار لاسم والده "منير رضوان"، والترس ده