تضحية ام حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

​رؤوف سألها بصوت بيترعش: "السلسلة دي جبتيها منين؟"
​الست وهي بتنهج وبتحاول تتماسك، بصت له باستغراب وقالت: "دي حاجة من ريحة والدي.. كان شغال ميكانيكي بسيط وسابها لأمي قبل ما يموت، وقالي إن صاحب الورشة كان أعز صديق ليه، وأنه كان أمين عليه في كل حاجة."
​رؤوف حس إن الدنيا بتلف بيه.. والده في وصيته كان كاتب جملة غريبة وقتها مفهمهاش: "يا رؤوف، نصيبي في الدنيا مش بس اللي في البنوك، في أمانة عند (الأسطى عبده) يا ريت تروح تسددها، دي اللي هتبارك لك في الباقي."
​رؤوف قعد أسابيع يدور على الأسطى عبده ده وملقاهوش، وافتكر إنها ديون فلوس عادية.. لكن الحقيقة كانت أكبر بكتير.
​الست دي هي بنت الراجل اللي شال والد رؤوف في بداياته، الراجل اللي سلف والده أول قرش يبدأ بيه وتعب معاه وسنده، ولما والده بقى مليونير، فضل يدور عليهم عشان يرد الجميل، بس هما كانوا عزلوا واختفوا في زحمة الدنيا والفقر نهش فيهم.
​رؤوف بص للعيال، وبص للست اللي كانت بتجوع عشان خاطرهم، وفهم دلوقتي ليه والده قاله "اسمع صوت الحياة".. الحياة كانت بتبعتله "أهله" اللي من غير دم، الناس اللي ليهم فضل في كل مليم هو بيملكه دلوقتي.
​رؤوف مطلعش فلوس من جيبه.. هو وطى على إيد الست وباسها وقالها بدموع في عينه: "أنا مش غريب.. أنا ابن منير رضوان. وأنتي مش محتاجة مساعدة، أنتي ليكي حق وأمانة عندي بقالها سنين، وآن الأوان إنها ترجع لصحابها بالفوائد كمان."
​من اليوم ده، البيت الكبير اللي كان صوته فيه
صدى، مابقاش فاضي.. والوجع اللي كان في قلب رؤوف اختفى، لأنه عرف إن أصعب حاجة في الدنيا مش إنك تجمع فلوس، الأصعب إنك تلاقي "الناس" اللي يستاهلوا تعيش عشانهم. وتأكد إن وصية أبوه كانت هي الكنز الحقيقي اللي أنقذ روحه من الوحدة.
الست بصت لرؤوف بذهول، والدموع بدأت تتجمع في عينيها وهي مش مصدقة إن الدنيا لفت وجمعتها بابن "منير رضوان" الشخص اللي والدها كان بيحكي عنه بطل وفخر طول عمره.
​رؤوف ماضيعش وقت، صمم إنه ياخدهم في عربيتة. في البداية هي رفضت بكسوف وعزة نفس، بس هو حلف لها وقالها: "يا ست الكل، ده حق والدك، والدي كان بيحلم باللحظة دي عشان يريح ضميره، أرجوكي ماتحرمناش من الثواب ده."
​أول حاجة عملها رؤوف إنه وداهم على أكبر مستشفى في المنطقة عشان يطمن على صحتها، وهناك اكتشف الدكاترة إنها بتعاني من أنيميا حادة وضعف عام بسبب إنها كانت "بتحرم بقها من اللقمة" عشان عيالها، زي ما شافها في الميدان بالظبط.
​رؤوف وهو قاعد في استراحة المستشفى، بص للولد الصغير والبنت، ولقى الولد ماسك في أختُه بقوة كأنه خايف عليها من الهوا. نادى عليه وقاله:
"اسمك إيه يا بطل؟"
الولد رد بصوت واثق رغم التعب: "اسمي منير.. على اسم صاحب بابا."
​رؤوف في اللحظة دي انهار من العياط، والديون مابقتش مجرد فلوس، دي بقت حياة كاملة.
​اللي حصل بعد كدة غير حياة الكل:
​السكن: رؤوف نقلهم من أوضتهم الصغيرة في منطقة شعبية، لبيت نضيف جداً ملكه، وجهزه بكل حاجة ممكن يحتاجوها.
​التعليم: قدّم
للولد والبنت في أحسن مدارس، ووعدهم إنه هيفضل معاهم لحد ما يتخرجوا ويبقوا أحسن ناس في الدنيا.
​الشغل: الست لما استردت صحتها، رفضت إنها "تآخد فلوس من غير تعب"، فرؤوف بذكاء المصريين، فتح لها مشروع صغير (مشغل خياطة وتطريز) وسماه "أمانة منير"، وبقت هي المديرة بتاعته.
​رؤوف اكتشف إن "الصدى" اللي كان بيسمعه في فيلته الفاضية، مابقاش موجود.. الصدى ده اتبدل بصوت ضحك العيال وهما بيلعبوا في جنينة البيت عنده كل يوم جمعة.
​بقى يروح الميدان اللي شافهم فيه كل فترة، بس المرة دي مش وهو تايه، لكن وهو بيوزع وجبات على كل الناس اللي هناك، وهو فاكر كلمة أبوه كويس:
​"يا ابني، الرزق مش بس اللي بيدخل جيبك، الرزق هو اللي بيخرج منك وبيرجع لك في شكل دعوة حلوة تفتح لك الأبواب المقفولة."
​رؤوف مابقاش بس مليونير بفلوسه، بقى مليونير بحب الناس وبراحه البال اللي لقاها في عينين "منير الصغير" وأخته.
بعد فترة، وفي يوم جمعة وهما متجمعين على السفرة في بيت رؤوف، "منير الصغير" ساب المعلقة من إيده وبص لرؤوف وقال له ببراءة الأطفال: "عمو رؤوف، هو أنت ليه بتعمل معانا كل ده؟ هو بابا كان فعلًا غالي عندك أوي كده؟"
​رؤوف سكت لحظة، وبص للست (ليلى) اللي كانت قاعدة ومحاوطة ولادها بذراعاتها، وقال له: "يا منير، والدك ماكنش مجرد صديق لوالدي، والدك كان هو السند اللي والدي لولاه ماكانش بقى منير رضوان اللي الناس تعرفه. أنا مش بعمل ده جدعنة مني، أنا بسدد دين قديم كان هيحني ضهري يوم الحساب
لو ماوصلتلكوش."
​المفاجأة الأخيرة
​ليلى طلعت من شنطتها ورقة قديمة أوي، متطبقة مية طبقة وريحتها تراب، وادتها لرؤوف وقالت له: "أنا كنت مستنية الوقت المناسب عشان أديك دي. والدي قبل ما يموت قالي الورقة دي ماتخرجش إلا لـ 'ابن منير' لو الدنيا ضاقت بيكي وقابلتيه."
​رؤوف فتح الورقة وهو إيده بترعش، لقاها "عقد تنازل" عن قطعة أرض كبيرة في منطقة كانت زمان صحراء ودلوقتي بقت قلب العاصمة وبتساوي ملايين الملايين. الأسطى عبده كان شاريها مع والده "شراكة" في البداية، بس لما والده كبر وبقى مليونير، الأسطى عبده انسحب بهدوء عشان مايفرضش نفسه عليه، وساب العقد ده أمانة لليوم الأسود.
​رؤوف مابقاش مصدق.. الأرض دي كانت هي القطعة الناقصة في مشروع ضخم والده كان بيحلم بيه ومات قبل ما يكمله بسبب مشاكل الملكية.
​النهاية السعيدة
​رؤوف مارضيش يآخد الأرض لوحده، وبنى عليها "مؤسسة رضوان الخيرية"، وخلى ليلى هي شريكته في الإدارة. المشروع كبر وبقى بيساعد آلاف الأمهات اللي زي ليلى، والعيال اللي زي منير وأخته.
​رؤوف اتعلم إن "ليوناردو" أو "رؤوف" الشخص الغني اللي كان تايـه، ملقاش نفسه في البورصة ولا في القصور، لقاها على دكة خشب في ميدان شعبي لما قرر يفتح قلبه قبل محفظته.
​والنهاردة، لما رؤوف بيمشي في الميدان، مابقاش خيال ماشي لوحده.. بقى بيمشي والناس بتشاور عليه بالحب، مش عشان فلوسه، لكن عشان هو "الراجل اللي صان الأمانة".
​الحكاية خلصت بس الخير مابيخلصش، طول ما في ناس لسه
بتشوف بقلوبها مش بس بعينيها.
 

تم نسخ الرابط