سرقة حليب

لمحة نيوز

​المدير شد علبة اللبن من إيدها بعنف.
​"القانون قانون.. والسرقة سرقة!"، نطق الكلمات بحدة وهو وشه محقن.
​إيد البنت فضلت متعلقة في الهوا وهي فاضية.. عينيها اتملت دموع بس مكنتش راضية تنزل، وقفت مهزوزة وصغيرة قوي وسط الزحمة.
​فجأة، جرس الباب رن.
​دخل أمين شرطة، وحس بالتوتر اللي في الجو أول ما خطى عتبة المحل. بص للزحمة وبعدين للمدير، وفي الآخر للبنت.
​"فيه إيه هنا؟"، سأل بلهجة حازمة.
​المدير رفع علبة اللبن كأنها حرز: "البنت دي كانت بتسرق."
​الأمين قرب منها براحة، وطى شوية عشان يبقى في مستوى طول عينيها، وصوته هدي خالص.
​"اسمك إيه يا قمر؟"
​همست وهي بتبص في الأرض: "ليلى."
​"طيب يا ليلى"، قالها بحنية، "ممكن تقوليلي خدتي دي ليه؟"
​بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت يدوب مسموع: "ماما.. ماما تعبانة قوي ومش قادرة تتحرك.. وإخواتي الصغيرين مش بيبطلوا عياط من الجوع.. ملقتش قدامي حل تاني."
​الأمين اتنهد وظهر على وشه الحيرة. وقف وبص للمدير بقلة حيلة.
​"هضطر آخدك معايا"، قالها وهو مش مقتنع بكلامه تماماً.
​الكلمة وقعت على ليلى زي الصاعقة.
​"أنا.. أنا مش هعمل كده تاني"، بدأت تتوسل وهي بتعيط. "بالله عليك ما تاخدنيش.. إخواتي محتاجين
لي."
​وفي اللحظة دي—
​"استنى عندك."
​كلمة واحدة قطعت السكوت اللي في المكان.
​الكل لف وشه ناحية الكاشير.
​كان فيه راجل واقف هناك من بدري ومحدش واخد باله منه.. طويل، هندامه مترتب، ولابس بدلة شيك تقول إنه شبعان وناجح. ملامحه كانت هادية بس نظراته حادة ومركزة في كل تفصيلة.
​"أنا هدفع ثمن اللبن ده"، قال بهدوء. "وأي حاجة تانية هي محتاجاها."
​المدير كشر وقال: "يا أستاذ الموضوع مش موضوع فلوس، دي سرقت—"
​"وإنت قفشتها"، رد الراجل ببرود. "يعني مفيش حاجة ضاعت عليك."
​"بس مش ده الأصول، لازم تتربى."
​"يبقى يمكن"، الراجل قالها بصوت رزين وواثق، "جه الوقت اللي نعيد فيه حساباتنا في "الأصول" دي."
​المحل كله سكت تاني.
​أمين الشرطة ربع إيديه وقال: "يا فندم، إحنا مقدرين بس ده قانون، مينفعش نغمض عينينا—"
​"أنا مش بطلب منك تغمض عينك"، الراجل رد بذكاء. "أنا بطلب منك تفتحها وتشوف الحقيقة صح."
​قرب من ليلى، ووطى لغاية ما بقى في مستواها.
​"يا ليلى"، قالها بصوت حنين: "لو ساعدتك، توعديني بحاجة؟"
ليلى جريت بكل قوتها وهي شايلة الشنطة التقيلة، كأنها شايلة الدنيا كلها بين إيديها. والراجل صاحب البدلة فضل واقف قدام المحل لغاية ما اختفت من قدام
عينيه.
​المدير قرب منه وهو حاسس بالخجل، وحاول يلطف الجو وقال: "أنا آسف يا فندم، بس أنا كنت خايف المحل يتسرق كل يوم لو سكتنا."
​الراجل بص له بابتسامة هادية بس فيها لوم:
"يا أستاذ، فيه فرق بين واحد بيسرق عشان يفسد، وطفلة بتسرق عشان تعيش. الجوع مش بيستأذن حد، والرحمة أهم من المكسب."
​وبعدين سابه ومشي.
​مرت سنين طويلة.. المحل ده قفل واتفتح مكانه صيدلية كبيرة، والمدير ده كبر في السن وبقى بيقعد على كرسي قدام بيته، والحال ضاق بيه بعد ما خسر شغله وتجارته.
​وفي يوم، كان قاعد تعبان ومش قادر حتى يشتري الدوا بتاعه، لقى عربية شيك جداً وقفت قدامه، ونزلت منها شابة لابسة بالطو أبيض، ملامحها فيها طيبة مش غريبة عليه.
​قربت منه بابتسامة وقالت له: "حضرتك مش فاكرني يا حاج؟"
​بص لها باستغراب وهز راسه بـ "لأ".
​قالت له وهي بتديله شنطة فيها كل الأدوية اللي محتاجها: "أنا البنت اللي زمان خدت علبة لبن عشان إخواتها، والراجل المحترم اللي دفع تمنها يومها، هو اللي علمني وصرف عليا لغاية ما بقيت دكتورة.. وقالي يومها: (لما تكبري، ردي الجميل ده لكل محتاج)."
​الراجل العجوز عينه دمعت وافتكر اللحظة ديك، وعرف إن الخير اللي الراجل ده زرعه في ليلى،
هو اللي رجع أنقذه النهاردة.
​الخلاصة:
ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء.. الكلمة الحلوة والموقف الشهم ممكن يغيروا حياة إنسان بالكامل.

الدكتورة ليلى كملت كلامها وهي بتمسح دمعة نزلت من عين الراجل العجوز: "أنا مابنساش يا حاج إن الموقف ده كان نقطة التحول في حياتي. الراجل اللي دفع تمن اللبن يومها، مسبنيش، فضل متابعني أنا وإخواتي، وخلاني أحلف إني لما أنجح، هفتح عيادتي وصيدليتي لكل واحد "ظرفه" غلبه."
​الراجل العجوز صوته كان بيرعش وهو بيقول: "أنا كنت فاكر إن "الحزم" هو اللي بيمشي الدنيا، بس النهاردة عرفت إن "الجبر" هو اللي بيخلي الدنيا تستمر. سامحيني يا بنتي على قسوتي زمان."
​ابتسمت ليلى وقالت له: "مسموح يا حاج، لولا الموقف ده، يمكن مكنتش بقيت الدكتورة ليلى النهاردة. الدنيا سلف ودين، والجميل مبيضيعش."
​النهاية:
​ليلى ركبت عربيتها وسابت الراجل وفي إيده علاجه وشنطة فيها "خير كتير"، والراجل فضل باصص للسما وهو بيقول: "سبحان الله، علبة لبن كانت سبب في حياة، وموقف رحمة كان سبب في نجاة."
​الدرس المستفاد من الحكاية:
في مصر بنقول "الخير مبيضيعش"، وصنايع المعروف بتقي مصارع السوء. متبقاش سيف على رقاب الناس، خليك الإيد

اللي بتطبطب، عشان لما تقع، تلاقي اللي يسندك.

تم نسخ الرابط