الجبيره الغامضه حكايات صافي هاني
"الجبيرة اللغز"
أنا شغالة ممرضة طوارئ أطفال في مستشفى متوسطة كدة على أطراف شيكاغو بقالي ييجي 13 سنة. السنين دي علمتني إزاي أفهم خوف الأطفال بكل أشكاله، بس فيه لحظات كدة بتكسر كل الخبرة دي وتلمس حتة تانية جوه الواحد، حتة صعب تتشرح بالكلام.
الليلة دي كانت طويلة ومملة، صالة الانتظار كانت مليانة من العصر، والواحد بدأ يشتغل زي الالة من كتر التعب، إيديك بتتحرك لوحدها وعقلك في حتة تانية خالص.
مسكت الملف اللي في إيدي، الموضوع كان باين إنه بسيط "روتين": ولد عنده 5 سنين، دراعه اتصاب من فترة قريبة، وعنده سخونية خفيفة ووجع زاد عليه طول الليل. يعني المفروض كشف روتيني، نغير على الجرح، شوية مضادات حيوية، والموضوع يخلص وما تفتكروش حتى بعد ما تخلص ورديتك.
الولد كان اسمه في الملف: ياسين هلال.
بس أول ما دخلت "غرفة 6"، حسيت إن الجو فيه حاجة غلط، حاجة مش ماشية مع اللي اتعودت عليه.
ياسين كان نايم على السرير، باين عليه صغير قوي وسط السرير الكبير ده. وشه كان مخطوف وباصص للسقف، ونَفَسه مش مظبوط.. مش نهجان رعب، بس برضه مش نَفَس حد مرتاح. دراعه الشمال كان ممدود بجمود على المخدة، ومتجبس بجبيرة بيضاء تقيلة خلت عيني تروح عليها فوراً لأسباب
أمه كانت واقفة بعيد عند الحيطة، مش جنبه.. ولا حتى قريبة منه تطمنه. كانت واقفة بجمود وبتحرك صوابعها بعصبية على حزام شنطتها، وكأنها بتمسك نفسها بالعافية.
رسمت ابتسامة هادية على وشي وقربت منه، عشان الأطفال بيحسوا بالنبرة قبل الكلام:
"أهلاً يا ياسين، أنا الممرضة إيمان، هبص بصه صغيرة بس على دراعك، ماشي يا بطل؟"
مردش عليا.
عينه فضلت ثابتة على السقف، مفتوحة ومن غير ما يرمش حتى، وكان فيها نظرة مش بتاعة خوف من حقنة أو وجع مستشفيات.. كانت نظرة أهدى وأتقل، وكأنه فاهم حاجة إحنا لسه مش واخدين بالنا منها.
أول ما مدت إيدي عشان ألمس طرف الجبيرة بس عشان أطمن على الدورة الدموية، الدنيا اتقلبت في ثانية.
قبل صوابعي ما تلمسه، ياسين اتنفض بعنف، وسحب دراعه لورا بقوة غريبة على جسمه الصغير، واتكوم على نفسه وهو بيصرخ صرخة تقطع القلب:
"لأ.. أبوس إيديكي، بلاش تلمسيها!"
دموعه نزلت في لحظة، وكان بيحمي الجبيرة دي بكل قوته، وكأنها حاجة غالية بيحرسها مش مجرد جبيرة محطوطة عشان تعالجه.
رد فعله كان مبالغ فيه جداً، وهنا "حاسة الممرضة" اللي جوايا بدأت تشتغل وتقولي إن الموضوع مش روتين خالص.
الباب اتفتح ورايا ودخل اتنين من
"براحة يا بطل، مفيش حاجة، إحنا معاك وأنت في أمان." واحد منهم بدأ يثبته براحة عشان ما يإذيش نفسه.
أمه قربت وقتها، بس مش عشان تحضنه، لأ.. كانت متوترة جداً وقالت بسرعة بنبرة غريبة:
"هو بس خايف، من فضلكم، إدوله أي حاجة للسخونية وخلينا نمشي نروح."
بس وقتها، أنا مكنتش باصة لياسين أصلاً.. أنا كنت باصة للجبيرة.
كان فيها حاجة غلط. ملمسها مكنش ناعم زي الجبس الطبي اللي بنعمله، كانت محببة وفيها طبقات غريبة وأسمك من اللزوم، وريحتها كانت ريحة كيماوية نفاذة مالهاش أي علاقة بريحة المستشفيات.
في اللحظة دي دخل دكتور رأفت سرحان بهدوءه المعهود. دكتور رأفت من النوع اللي مبيتحركش إلا لو فيه مصيبة فعلاً.
قرب من غير كلام، فحص الجبيرة من بعيد بعينه، وبعدين خبط عليها خبطة بسيطة بظهر القلم بتاعه.. خبطة واحد بيسمع بمخه مش بودنه بس.
الصوت كان غلط خالص.
مكتوم زيادة.. وناشف زيادة.
دكتور رأفت اتعدل ببطء، وبص في الغرفة كلها وقال بصوت واطي بس الكل سمعه:
"كل اللي ملوش لازمة يرجع خطوة لورا فوراً."
الجو في الأوضة اتغير تماماً، لما دكتور في مكانة رأفت يتكلم كدة، الكل بيسكت ويسمع.
بص للأم، وعينه
"حضرتك قلتي إن الجبس ده اتعمل في عيادة؟"
سكتت لحظة، لحظة كانت كفيلة تفضح كل حاجة، وبعدين قالت بصوت مهزوز:
"أيوه."
هز راسه ببطء وقال ببرود:
"لأ.. ده مش جبس عيادات."
وبعدين بصلي، ونظرته كان فيها جدية خوفتني:
"إيمان.. اطلبي أمن المستشفى فوراً."
الأوضة بقت هس، صمت يطبق على النفس. الطلب ده مكنش ليه أي علاقة بكسر في دراع عيل صغير.
كمل كلامه وهو عينه على الجبيرة:
"دي مش مادة طبية.. واللي جوه الجبيرة دي، مكنش محطوط عشان يعالج الولد."
بمجرد ما الدكتور رأفت نطق كلمة "أمن"، الأم وشها جاب ألوان، وجت تتحرك ناحية الباب، بس ممرض من اللي واقفين سد الطريق بهدوء. ياسين الصغير أول ما سمع سيرة الأمن، بطل صريخ فجأة وهدي تماماً، بس هدوءه كان يرعب، وكأنه كان مستني اللحظة دي تحصل عشان "السر" اللي شايله ينكشف.
دكتور رأفت ملمسش دراع الولد، جاب مقص طبي من النوع التقيل، وبدأ يقص الجبيرة من الطرف بحذر شديد، وعيونه مابتنزلش من على رد فعل الأم.
"حضرتك عارفة إن الجبس الطبي بيتفتت بطريقة معينة؟" دكتور رأفت قالها وهو بيضغط بالمقص، "لكن اللي في إيد ياسين ده مادة صلبة، عاملة زي مادة 'الإيبوكسي' أو نوع من الراتنج