الجبيره الغامضه حكايات صافي هاني
أول ما الطبقة الخارجية بدأت تتفتح، ريحة كيماوية قوية جداً فاحت في الأوضة، ريحة تشبه ريحة دهان العربيات أو الغراء الخام. ياسين غمض عينه وبدأ يترعش، وكأنه بيودع "الحاجة" اللي محبوسة مع دراعه.
لما الطبقة البيضاء انشقت، ملقيناش تحتها قطن وشاش زي العادي.. لقينا طبقة تانية من البلاستيك الشفاف الملفوف بإحكام (ستريتش)، وتحت البلاستيك ده، كان فيه كيس مستطيل صغير، مسطح، ومحشور بدقة بين الجبيرة وبين جلد الولد.
الدكتور سحب الكيس بملقاط، وكان جواه مسحوق أبيض نقي.
الأم في اللحظة دي انكمشت على نفسها وبدأت تعيط بهستيريا: "والله ماليش دعوة! هما اللي قالوا لي لو ما عملتيش كدة مش هتشوفي ياسين تاني.. هما اللي جبرونا!"
دكتور رأفت بص للكيس بقرف وقال: "يعني مش بس كسرتوا دراع طفل عشان تثبتوا عليه جبيرة، لا ده أنتم استخدمتم جسمه 'شنطة' لتهريب مخدرات خام.. والسخونية اللي عنده دي مش برد، ده تسمم ناتج عن إن المادة الكيماوية في الجبيرة بدأت تتفاعل مع جلده وتمتص في دمه."
ياسين فتح عينه بالراحة، وبص للدكتور وقال بضعف: "هي هتمشي يا دكتور؟ العفاريت اللي كانت في دراعي هتمشي؟"
الدكتور طبطب عليه بحنان حقيقي لأول مرة وقال: "هتمشي يا بطل، وهنحبس العفاريت دي كمان."
خلال دقايق، كان أمن المستشفى والشرطة في الأوضة. الأم كانت بتنهار وهي بتتحقق معاها، واتضح إنها كانت مجرد "بغل تحميل" لعصابة كبيرة استغلت فكرة إن محدش بيشك في طفل صغير مكسور ورايح المستشفى.
ياسين دخل العمليات فوراً عشان يشيلوا بقايا المادة الكيماوية من على جلده ويعالجوا الكسر الحقيقي اللي "أهله" تسببوا فيه بكل برود.
اليوم ده، وأنا بقفل ورديتي وببص على أوضة 6 وهي فاضية، عرفت إن أخطر أنواع الألم مش اللي بيجي من المرض، لكن اللي بيجي من ناس المفروض هما اللي يحمونا.. بس الحمد لله إن "حاسة" الدكتور رأفت كانت صاحية، عشان ينقذ ياسين من سجن كان ملفوف حولين دراعه.
بعد ما الأم اتسحبت مع الأمن وهي
الدكتور رأفت بص لي وقال بصوت واطي: "إيمان، جهزي أوضة العمليات فوراً، لازم نفتح الجبيرة دي بالكامل تحت تعقيم، المادة دي بدأت تعمل تآكل في الجلد، والحرارة اللي عنده دي معناها إن فيه التهاب خلوي شديد بدأ يسرح في جسمه."
نقلنا ياسين للعمليات، وهناك شوفت اللي مكنتش أتخيله. الجبيرة مكنتش مجرد "كيس" واحد مستخبي، دي كانت "مخزن" متنقل. العصابة كانت حفرت في مادة الجبيرة الصناعية دي فراغات، وحاطين فيها أكياس صغيرة متوزعة بدقة عشان وزن الجبيرة يبان طبيعي وما تبقاش تقيلة في حتة واحدة.
ياسين كان بيبص لي وهو رايح في النوم من البنج، وهمس لي جملة خلت جسمي يقشعر:
"قولي للدكتور.. يخلي باله عشان هما قالوا لي إن الجبيرة دي جواها روح، ولو طلعت هتاكلنا كلنا."
فهمت وقتها إنهم مش بس استغلوا جسمه، دول دمروا نفسيته وزرعوا الرعب في قلبه عشان يضمنوا إنه ما يتكلمش ولا يخلي حد يلمس دراعه.
بعد ساعتين شغل، الدكتور رأفت خرج وهو بيقلع الجوانتي، وشه كان مرهق بس عينيه بتلمع بانتصار.
"إحنا شيلنا السموم دي كلها يا إيمان، ونضفنا الحروق الكيماوية اللي كانت على جلده. والكسر اللي في دراعه؟ طلع كسر قديم ومعالجينه غلط عشان يثبتوا عليه الهباب ده."
قعدت جنب ياسين في الإنعاش لحد ما فاق. أول ما فتح عينيه، بص لدراعه اللي كان متلفوف بشاش أبيض خفيف ونضيف، ولمسه بصوابعه التانية بالراحة.. ولما لقى مفيش وجع، ولما لقى "الروح" اللي كان خايف منها مأكلتوش، بص لي وابتسم لأول مرة.
"يا ممرضة.. أنا حاسس إني خفيف قوي، كأني هطير."
في اللحظة دي، دخل ضابط المباحث وقال لنا إن اعترافات الأم وصلت لشبكة كبيرة كانت بتستخدم الأطفال في المطارات والمواقف بنفس الطريقة.
ياسين
ياسين قعد معانا في المستشفى أسبوعين، مش بس عشان دراعه يلم، لكن عشان "روحه" هي كمان تبدأ تخف. في الأيام دي، دكتور رأفت مكنش بيفوت يوم من غير ما يعدي عليه، ويجيب له معاه "عربية لعبة" أو "شوكولاتة"، وكأنه بيحاول يمسح من ذاكرة الولد بشاعة اللي حصل.
وفي يوم، والشرطة بتقفل المحضر، الضابط حكى لنا إنهم قبضوا على الراجل اللي كان "العقل المدبر" ورا الموضوع ده، وطلع إنه مش بس تاجر سموم، ده كان بيستغل فقر الأمهات وجهلهم عشان يحول عيالهم لوسائل نقل رخيصة ومضمونة.
قبل ما ياسين يتنقل لدار الرعاية بليلة، نده عليا وأنا بمر عليه بالليل.
"يا ممرضة إيمان.. هو أنا ينفع أطلب طلب؟"
قعدت جنبه وطبطبت عليه: "عنيا ليك يا بطل، اؤمر."
بص لدراعه اللي بدأ يتحرك بالراحة وقال: "ممكن لما أكبر أبقى دكتور زي دكتور رأفت؟ عشان لما أشوف حد مخبي 'عفاريت' في دراعه، أطلعها له وماخلوش يخاف تاني؟"
عينيا دمعت غصب عني، وحضنته: "هتبقى أحسن دكتور في الدنيا يا حبيبي."
خرج ياسين من المستشفى، والهدوء رجع لغرفة 6، بس الحكاية دي فضلت محفورة في المستشفى كلها. كلنا اتعلمنا إن "الخوف" بتاع الأطفال ساعات بيبقى صرخة استغاثة مكتومة، مش مجرد دلع.
دكتور رأفت من يومها بقى لما يشوف أي جبيرة داخلة عليه، يمسك القلم بتاعه ويخبط "الخبطة" الشهيرة بتاعته.. وكأنه بيطمن إن مفيش طفل تاني شايل شيلة أكبر من سنه.
ودي كانت حكاية ياسين، الطفل اللي "القدر" بعته لمستشفى شيكاغو في ليلة زحمة، عشان ينقذ نفسه وينقذ عيال كتير غيره من مصير أسود كان متخبي تحت "جبيرة" بيضاء.
بعد شهرين من الواقعة دي، وفي يوم
"إيمان، بصي كدة اللي وصلني النهاردة على المكتب،" قالها وهو بيفتح الظرف.
كانت ورقة مرسومة بألوان خشب بسيطة، فيها صورة راجل لابس بالطو أبيض وعنده شنب (واضح إنه دكتور رأفت) وماسك في إيده سيف بيحارب بيه "تنين" أسود طالع من جبيرة جبس. وتحت الرسمة مكتوب بخط مهزوز: "أنا بقيت بلعب كورة بدراعي يا دكتور.. شكراً إنك طردت العفريت."
ضحكت من قلبي وقولت له: "ياسين لسه فاكرك يا دكتور."
دكتور رأفت اتنهد بارتياح وقال: "ده أهم تقرير طبي جالي في حياتي يا إيمان. الولد ده اتنقل لأسرة بديلة في ولاية تانية، وبعتوا مع الرسمة دي تقرير بإن حالته النفسية بدأت تتحسن جداً وبدأ يندمج مع الأطفال اللي في سنه."
القصة مخلصتش هنا، لأن "قضية ياسين" بقت قضية رأي عام في شيكاغو، والمستشفى عندنا عملت بروتوكول جديد اسمه "فحص الجبيرة". بقى أي طفل يجي بجبيرة معمولة بره المستشفى، لازم يتصور أشعة "إكس" (X-ray) فوراً، مش بس عشان العظم، لكن عشان نتأكد إن الجبيرة دي مفيهاش "أسرار" تانية.
وفي ليلة تانية زحمة، دخل عليا طفل صغير معاه والده، والولد كان دراعه متجبس وبيعيط. أول ما شفتهم، لقيت نفسي لا إرادي بقرّب منه وعيني على الجبيرة وبسأله بهدوء: "أهلاً يا بطل، قولي بقى.. الجبيرة دي بتوجعك؟ ولا مخبية جواها حاجة؟"
الولد بص لي ببراءة وقال: "لأ.. وجع بس."
وقتها دكتور رأفت مر من ورايا، وخبط بظهره قلمه على الجبيرة "الخبطة" إياها، وسمعنا صوت الرنين الطبيعي بتاع الجبس الفاضي. بص لي وابتسم، وكأنه بيقولي "اطمني.. المرة دي بجد."
ياسين مشي، بس ساب جوه كل واحد فينا "رادار" بيحس بالوجع المستخبي وراء السكات. وبقيت كل ما أبص لغرفة 6، أفتكر إننا مش مجرد ممرضين ودكاترة بنعالج جروح، إحنا ساعات بنبقى "طوق نجاة" لعيال ملهمش صوت في الدنيا دي غير