عجوز شريفه حكايات صافي هاني
أغنى واحد في منطقتنا ذلّني ورجّعلي الفلوس، وقالي لو مخلصتيش بقية المبلغ، هرميكي ورا القضبان. اضطريت أخد قرض عشان أسدد دينه، بس في اللحظة دي ظهر الكرفان قدام بيتي.
الجزء الأول
وهي عندها 72 سنة، الحاجة لبيبة حست إن صحتها بتتسحب منها وهي ماسكة قلم بلاستيك رخيص من بتوع البنك. كل شطة قلم بتمضي بيها على عقد الرهن كانت بتسحب روحها، وكأن حبل المديونية بيخنق رقبتها. دموعها نزلت على وشها التعبان تحت شمس عزبة النخل الحامية، وهي بتستلم ورقة بتقول إنها لازم تدفع 150 ألف جنيه. بالنسبة لست غلبانة بتعيش على لمّ القزايز البلاستيك وعلب الكنز والكرتون من شوارع المدينة المنسية، المبلغ ده كان حكم بالإعدام. كل الذل ده بدأ لما قررت تعمل اللي بيعتبروه في الزمن ده جريمة إنها تكون ست شريفة.
الحاجة لبيبة كانت عايشة على أطراف منطقة شعبية فقيرة، في بيت مبني طوب أحمر وسقفه صاج بيولع نار في عز الصيف. محدش كان حاسس بيها ولا شايفها، لحد من أربع أيام فاتوا، وهي ماشية جنب الرصيف القريب من السوق، لقت شنطة جلد تقيلة. لما فتحت قفلها المصدي، قلبها كان هيقف من الفرحة والخوف؛ الشنطة كانت مليانة رزم متقفل بأساتك. قعدت على الأرض وعدت الفلوس بسرعة.. الشنطة كان فيها 300 ألف جنيه بالتمام والكمال.
احتياجاتها كانت بتصرخ في وشها من كل ناحية. بالفلوس دي تقدر تصب سقف بيتها، وتجيب علاج لركبها اللي مأذياها، وحتى تجيب لنفسها كيلو لحمة تفطر بيه. بس ضميرها المتربي على الأصول وقفها. جوه الشنطة لقت
مشت الحاجة لبيبة بتاع 3 كيلو تحت الشمس الحارقة لحد ما وصلت لفيلا المعلم. وبعد ما عدت من الأمن، سلمت الشنطة وإيدها بترتعش. المعلم كان قاعد ورا مكتبه الفخم بيشرب سيجار، فتح الشنطة وعد الفلوس. وبدل ما يشكرها، وشه اسودّ وعينه بقت كلها شر وشك.
إنتي فاكرة نفسك ست عجوزة ناصحة وهتضحكي عليا؟ صرخ المعلم وهو بيخبط بإيده على المكتب الشنطة دي فيها 300 ألف بس، والمحاسب بتاعي حاطط فيها 450 ألف. إنتي سرقتي ال 150 ألف الباقيين! لو مجبتيهمش بكرة، هحبسك بتهمة السرقة وهرميكي في السجن.
الرعب جمد الدم في عروقها. حاولت تحلفله مية يمين إنها مامدتش إيدها على قرش واحد، بس الحرس سحلوها ورموها في الشارع. الخبر انتشر في الحارة زي النار في الهشيم. الجيران اللي كانوا بيقسموا معاها اللقمة بقوا يخبوا حاجتهم لما تعدي، ويقولوا أتاريها سارقة، مش باين عليها الفقر. ومن كتر خوفها من السجن، راحت لشركة قروض بضمان البيت، واقترضت ال 150 ألف جنيه وراحت سلمتهم له وهي مكسورة.
في اليوم التالت بعد ما دفعت، وهي واقفة بتمسح العرق من وشها، الأرض تحتها بدأت تتهز. صوت مواتير مرعبة غطى على دوشة البياعين في الشارع. قدام بيتها الصغير، وقفت طابور من عشر عربيات جيب سودة ومصفحة، سدوا الشارع كله. نزل منها رجالة ببدل غالية ومعاهم سلاح، وعملوا كردون أمني تقيل. ولما باب العربية
الحي كله وقف على رجله، والنسوان طلعت في البلكونات تتفرج والرجالة سابوا القهوة، الكل مستني يشوف مين الباشا اللي نزل بأسطوله في حتة مكسرة زي دي. من قلب العربية المصفحة، نزل شاب في التلاتينات، لابس بدلة شيك جداً ونظارة سوداء، ملامحه كانت حادة بس فيها هيبة ولاد الأصول.
الشاب بص يمين وشمال بقرف من المنظر، لحد ما عينه جت على الحاجة لبيبة وهي واقفة قدام باب بيتها بجلبيتها المقطوعة ووشها اللي باين عليه كسرة النفس. الشاب مشي ناحيتها بخطوات واثقة، والحرس وراه، والجيران مستنيين يشوفوا المصيبة اللي هتنزل فوق راسها.
وقف الشاب قدامها بالظبط، وقلع النظارة، وبص في عينيها وقال بصوت مسموع للكل
إنتي الحاجة لبيبة؟
هزت راسها بخوف وهي مش قادرة تنطق، فكمل كلامه
أنا ياسين، ابن أخو المعلم إيفاريستو.. والمدير التنفيذي لشركاته.
لبيبة بدأت تترعش وافتكرت إنهم جايين يلفقوا لها تهمة جديدة، بس ياسين كمل بلهجة فيها ندم
المحاسب اللي قال لعمي إن الشنطة ناقصة، اتمسك النهاردة وهو بيسرق من الخزنة، واعترف إنه هو اللي خد ال 150 ألف قبل ما الشنطة تضيع أصلاً. عمي عرف إنه ظلمك.. بس أنا مكنش ينفع أسكت على اللي حصل لست شريفة زيك.
شاور ياسين بإيده لرجالة، وفجأة ظهر كرفان ضخم وعملاق بيسحبوه ورا واحدة من العربيات، كرفان مجهز بأحدث حاجة، كأنه قصر متنقل.
ده مش بس عشان نرد لك حقك.. ده اعتذار شخصي مني. ومن
الحارة كلها كانت في ذهول، والناس اللي كانت بتقول عليها حرامية بقوا يبصوا للأرض من كتر الكسوف. لبيبة دموعها نزلت، بس المرة دي مكنتش دموع قهر، كانت دموع جبر الخاطر اللي بييجي بعد صبر وطول تعب.
ياسين بص لرجالة وقال بصوت عالي سمّع المنطقة
أي حد في المنطقة دي هيفكر بس يبص للست دي بصه مش تمام، يعتبر نفسه بيعادي آل البرنس شخصياً.. مفهوم؟
الكل هز راسه بالموافقة وهو مرعوب، والحاجة لبيبة رفعت إيدها للسما وهي مش مصدقة إن ربنا رد لها اعتبارها في وسط الناس اللي ظلموها، وإن الكرفان اللي ظهر فجأة ده كان بداية لحياة تانية خالص مكنتش تحلم بيها حتى في الخيال.
ياسين مأكتفاش بكده، بص للمساعد بتاعه وشاور له، فطلع شنطة سوداء تانية وفتحها قدام الناس كلها.. كانت مليانة رزم فلوس باكوات لسه بريحة البنك.
ودول يا حاجة لبيبة ال 150 ألف جنيه بتوعك اللي عمي خدهم منك بالباطل، ومعاهم بونبوناية زيادة من عندي عشان حلفان الكدب والذل اللي شوفتيه.
لبيبة كانت بتبص للفلوس ومش قادرة تمد إيدها، حاسة إنها في حلم. ياسين مسك إيدها وباسها قدام الكل، وحط فيها الشيك والفلوس، وقالها
النهاردة مفيش لمّ قزايز تاني، ولا شيل كرتون.. النهاردة إنتي ست العزبة كلها.
في اللحظة دي، ظهرت عربية المعلم إيفاريستو الشخصية، نزلت منها وهو وشه جايب ألوان، باين عليه الخزي