عجوز شريفه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

إن ابن أخوه اللي هو دراعه اليمين وكبير العيلة فعلياً هو اللي كشف المستور. إيفاريستو قرب منها وبص في الأرض
سامحينا يا حاجة.. الشيطان شطر، والمحاسب الحرامي هو اللي غماني.
ياسين قاطعه بلهجة ناشفة
الاعتذار مبيأكلش عيش يا عمي. الحاجة لبيبة من النهاردة ليها معاش شهري من الشركة، وأي حد من اللي وشوشوا عليها في المنطقة دي، لو سمعت إن حد ضايقها بكلمة، حسابه معايا أنا.
الجيران اللي كانوا واقفين يتفرجوا، بدأوا يتسحبوا واحد ورا التاني وهما مكسوفين من نفسهم، والنسوان اللي كانت بتقول الحرامية أهي بقوا يزغرطوا ويباركوا لها ويحاولوا يتقربوا منها، بس لبيبة بصت لهم بابتسامة حزينة، كأنها بتقولهم المعدن بيبان وقت الشدة.. وإنتو معدنكم صدى.
دخلت الحاجة لبيبة الكرفان، ولقت فيه تكييف وتلاجة مليانة من خيرات ربنا، وسرير ناعم عمرها ما حلمت تنام عليه. قعدت على السرير ورفعت إيدها لرب السما وقالت
يا رب، إنت قولت وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.. وأدي النصره جت لحد بابي.
ومن اليوم ده، ملقبوش الحتة دي باسمها القديم، بقوا يسموها حارة الحاجة الشريفة، وبقت لبيبة هي اللي بتوزع الخير على الغلابة اللي زيها، بس بجدعنة وضمير، مش بقلب حجر زي اللي ظلموها.
مرت الأيام، والحاجة لبيبة بقت هي كبيرة المنطقة بجد، مش بالفلوس، لا.. بأصلها
اللي غلب جبروت المعلم إيفاريستو. الكرفان اللي كان واقف قدام بيتها بقى مزار للغلابة، بس المرة دي لبيبة مكنتش بتجمع بلاستيك، كانت بتجمع قلوب الناس حواليها.
المعلم إيفاريستو، من كتر كسفته من اللي عمله، ومن كتر ما ياسين بقى حاطط عينه عليه، قرر يسيب المنطقة خالص ونقل نشاطه لمكان تاني، وكأنه هرب من نظرات لبيبة اللي كانت بتفكره بظلمه كل ما يشوفها. أما ياسين، فبقى يزورها كل أسبوع، يسلم عليها ويطمن إن طلباتها مجابة، وبقت لبيبة بالنسبة له هي البركة اللي بتحمي تجارته.
في يوم، وياسين قاعد معاها في الكرفان وهي بتشرب شاي العصاري، لقاها مطلعة ورقة وقلم وبتحسب حاجة. سألها
بتعملي إيه يا حاجة؟ لسه بتفكري في الحسابات برضه؟
بصت له بابتسامة صافية وقالتله
يا بني، الفلوس اللي إنت اديتهالي دي كتير عليا، وأنا ست رجل في الدنيا ورجل في الآخرة. أنا قررت أعمل مؤسسة لبيبة للحقوق.. أي حد غلبان في المنطقة دي يقع في ضيقة، أو حد يفتري عليه بكلمة أو بدين، المؤسسة دي هتوقف له محامي وتدفع له اللي وراه.
ياسين انبهر بكلامها، وحس إن الفلوس فعلاً راحت لإيد أمينة. وبدأوا ينفذوا المشروع، والبيت القديم اللي كان طوب وصاج، اتهد وطلع مكانه مبنى من دورين؛ الدور الأرضي مائدة رحمن دايمة لكل محتاج، والدور التاني مكتب لمساعدة المظلومين.

الجيران اللي ظلموها في الأول، حاولوا يتقربوا منها عشان يشتغلوا معاها، ولبيبة بقلبها الكبير سامحت الكل، بس كانت دايماً بتقولهم كلمة واحدة بقت حكمة في الحارة
الشنطة اللي لقيتها كان فيها ورق بفلوس.. بس المحنة اللي مريت بيها هي اللي عرفتني مين اللي قلبه دهب ومين اللي قلبه صفيح.
الحكاية خلصت بس سيرة الحاجة لبيبة فضلت باقية، وبقى أي حد يمر من قدام المبنى بتاعها يقرأ الفاتحة ويدعي للست اللي ردت اعتبار الشرف في زمن كان الناس فاكرة إن الفلوس فيه بتشتري كل حاجة.. حتى الذمم.
لكن القصة مخلصتش عند حد فعل الخير وبس، القدر كان شايل مفاجأة تانية للمعلم إيفاريستو والمحاسب اللي غدر بالحاجة لبيبة.
في يوم، والمنطقة هادية، دخلت عربيات الحكومة ومعاهم قوة كبيرة، وراحوا مباشرة على مقر شركة البرنس للنقل. المحاسب اللي كان فاكر إنه هرب بال 150 ألف جنيه، اتمسك وهو بيحاول يهرب بره البلد بملفات فساد وتلاعب في ضرائب الشركة، ولبّس المعلم إيفاريستو في حيطة سد.
المعلم إيفاريستو لقى نفسه محجوز على كل ممتلكاته، وأسطول العربيات اللي كان بيذل بيه خلق الله بقى تحت التحفظ. وفي لحظة ضعف، ملقاش حد يقف جنبه؛ كل المنافقين اللي كانوا بيطبلوا له اختفوا، ومبقاش فاضل له غير ياسين اللي كان بيحاول يلم فضايح عمه.
ياسين راح للحاجة لبيبة
وهو مكسوف، وقالها
يا حاجة لبيبة.. عمي ضاع، والشركة بتنهار، والمحاسب اللي ظلمك زمان هو اللي جره للهاوية النهاردة.
لبيبة سكتت شوية، وبعدين قامت فتحت الخزنة الصغيرة اللي في الكرفان، وطلعت رزمة فلوس من اللي ياسين كان مديها لها اعتذار، وقالتله
يا بني، أنا لا بنتقم ولا بشمت. خد الفلوس دي، روح وكل بيها محامي شاطر لعمك، وخلص له ورقه. أنا مش عايزة حد يتدعي عليه في سجنه زي ما كنت هدعي عليه وأنا ورا القضبان.
ياسين مكنش مصدق، الست اللي إيفاريستو كان عايز يرميها في السجن وهي عندها 72 سنة، هي الوحيدة اللي مدت إيدها تنقذه!
لما الخبر وصل للمعلم إيفاريستو وهو في الحجز، انهار من العياط. ولما طلع براءة بفضل المحامي اللي لبيبة دفعته تمنه، جه لحد باب الكرفان، ورمى نفسه تحت رجليها وهو بيقول
إنتي مش بس شريفة يا حاجة لبيبة.. إنتي ولية من أولياء الله الصالحين.
من يومها، المعلم إيفاريستو اتغير تماماً، سلم إدارة كل أملاكه لياسين وللحاجة لبيبة، وبقى هو اللي بيشرف بنفسه على مائدة الرحمن اللي في الدور الأرضي، يغرف الأكل للغلابة بإيده، وكأنه بيغسل ذنوب سنين الافتراء.
وبقت الحاجة لبيبة مش بس رمز للأمانة، دي بقت مدرسة في جبر الخواطر، وعلمت الحي كله إن الحق مبيضعش، وإن دقة القلم اللي كانت هتموتها في البنك، هي هي اللي كتبت
نهايتها بطلة في عيون الكل.

تم نسخ الرابط