درس قاسي حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

على العشا، مرات ابني طلبت "جمبري وجستاكوزا" لكل اللي قاعدين على الترابيزة إلا أنا. وبعدين زقت كوباية مياه قدامي وقالت ببرود: "كفاية عليكي كدة." ابني مكنش عنده دم ولا وقفها، بالعكس بص في عيني وقالي: "اعرفي مقامك يا أمي."
​مجادلتش ولا اتخانقت، ابتسمت نص ابتسامة وقلت: "تمام، وصلت."
​بعد عشر دقايق، شيف المطعم العمومي ساب المطبخ وخرج، جه عندي وانحنى باحترام، وطلب مني بكل أدب إني أتفضل معاه على المكتب. في اللحظة دي، "الدرس" اللي كانوا بيحاولوا يدوهوني اتقلب عليهم.
​كوباية المياه كانت ساقعة في إيدي، بس ملمستهاش. ده كل اللي قرروا إني أستحقه.. شوية مياه.
مفيش منيو، مفيش فرصة أطلب، مفيش حتى سؤال "تحبي تأكلي إيه يا ماما؟"
مجرد كوباية اتحطت قدامي في سكات، والكل مستني الأكل الفاخر والعصاير الفريش تحت إضاءة المطعم الهادية.
​"نيرمين" هي اللي رتبت لكل ده.
اتكلمت مع الويتر بلياقة مزيفة، من النوع اللي الناس تفتكره أدب وهو في الحقيقة قمة القسوة المتقنعة. قالتله: "مش محتاجين نطلب لها حاجة، المياه كويسة قوي عشانها."
وبعدين ابني كمل الناقص بكلمة خنقتني زي الدخان: "لازم تعرفي مقامك يا أمي."
​بصيت له..
ده الطفل اللي في يوم من الأيام مشيت بيه في المطرة عشان مكنش معانا تمن

شمسية تانية تحميه. ده اللي شبعته وجعت أنا، اللي كبرته ولحم كتافه من خيري، ودلوقتي مش قادر يحط عينه في عيني وهو سايبني اتهان.
​قلت كلمة واحدة بس: "تمام."
​نيرمين ارتبكت للحظة، ردي الهادي بوظ عليها المتعة اللي كانت مستنياها. كانت عايزاني أثور، أعيط، أعمل مشهد محرج.. بس أنا اتعلمت من زمان قوي إن السكوت في المواقف دي أقوى من أي كلام.
​اسمي "زينب".
عندي 64 سنة، وموصلتش لمرحلة الصبر دي بالصدفة.
ربيت ابني لوحدي بعد ما والده توفى وأنا لسه في عز شبابي. مكنش قدامي غير الشغل.. مسحت مكاتب في الفجرية، وقفت في مطابخ حرها يهد الحيل، وخدمت في بيوت ناس مبيشوفوش الشغالين غير خيال مآتة.
​حوشت القرش على القرش، ولبست القديم عشان هو يلبس جديد. ابني منقصهوش كتاب، ولا غاب يوم عن مدرسته، ودخل أحسن جامعة لأن "أمه الشغالة" كانت بتواصل الليل بالنهار عشان ترفع راسه.
​لما جاب نيرمين في حياته، رحبت بيها. قلت لنفسي بلاش تسيئي الظن، يمكن طريقتها ناشفة بس قلبها طيب، بلاش تضايقي من إنها مش عايزة تقولي يا "ماما".. عديت كتير عشان خاطر ابني.
​عزومة العشا دي جاتلي قبل أسبوع. ابني قالي إنهم عايزين يفتحوا صفحة جديدة ويقربوا المسافات، وإن أهل نيرمين هيكونوا موجودين في "قعدة عائلية".
كلمة "
عائلية" دي كان لازم تقلقني.
​استعديت للعزومة دي بكل طاقتي. كويت فستاني الكحلي اللي شايلاه للمناسبات، ولبست عقدي البسيط، وعملت شعري بحب.. كنت فاكرة إن شكلي النضيف هيفرق معاهم.
​المطعم كان من النوع الغالي قوي، سقف عالي وفرش فخم وهدوء يخليك تخاف تتنفس. نيرمين كانت قاعدة مع أهلها وشكلهم "ولاد عز"، وابني وقف نص وقفة لما وصلت، وكأنه بيعمل الواجب بالعافية.
كرسيي كان متطرف.. محطوط في حتة بعيدة وكأنهم بيقولوا "إنتي مش مننا" بس من غير كلام.
​الويتر جه، ونيرمين طلبت للكل.. 4 وجبات من أغلى حاجة في المنيو.
قالتله: "مش خمسة.. أربعة بس. والست دي مياه."
​سبتها تكمل تمثيليتها للآخر. لما تلاقي حد بيختبرك، يا توقفه فوراً يا تسيبه يغرق في سوء أدبه لحد ما يبان على حقيقته قدام الكل.
​قعدت ساكتة والأكل بينزل.. ريحة الجمبري والزبدة والخير مالي الطاولة، وقدامي أنا كوباية مياه.
بدأوا يتكلموا.. عن المطعم، عن "البريستيج"، عن حياتهم الراقية.. وبعدين بدأوا يتكلموا "عني".
​أهلها كانوا بيسألوا بتلقيح كلام: "هي دايماً ساكتة كدة ومبسطة الأمور؟" وأمها اتكلمت عن أهمية "التخطيط المادي" وإن الواحد لازم يأمن مستقبله بدل ما يحتاج لحد. وابني؟ ابني كان بيرد عليهم بأدب وبيسايرهم، ولا كأني أمه
اللي قاعدة تتهان قدامه.
​الوجع ده كان أصعب من الجوع بكتير.
بس فضلت هادية، مش قلة قيمة، بس عشان الكبرياء بيبان طعمه لما اللي قدامك يخلص كل اللي عنده.
​فجأة، باب المطبخ اتفتح.
خرج الشيف الرئيسي.. صاحب المطعم نفسه.
معداش على أي طاولة، جه عندي أنا بالذات. قلع الكاب بتاعه وانحنى باحترام شديد وقال بصوت مسموع:
"ست زينب.. نورتي بيتك. ياريت تتفضلي معايا على المكتب، الأوراق جاهزة ومستنيين إمضاء حضرتك."
​الترابيزة كلها اتجمدت.
نيرمين الشوكة وقعت من إيدها.
أبوها اتعدل في قعدته بذهول.
وابني بصلي لأول مرة بنظرة رعب، وكأنه لسه مكتشف إن الأم اللي كان بيخجل من "شغلها القديم" هي اللي تمتلك المكان اللي هو قاعد يتباهى بيه.
​في اللحظة دي، مدت إيدي لكوباية المياه، شربت بوق ببطء، وحطيتها مكانها.
لأن اللحظة اللي افتكروا فيها إنهم كسروني.. كانت هي اللحظة اللي خسروا فيها كل حاجة
قمت من مكاني بكل هدوء، سحبت شنطتي وقفلت زرار الجاكيت بتاعي وأنا لسه مبتسمة نفس الابتسامة الهادية.
​نيرمين وشها بقى لونه أصفر زي الليمونة، وبصت لابني بخوف وهي بتقول: "أوراق إيه يا طارق؟ هو في إيه؟" طارق كان باصص لي بذهول، لسانه اتعقد ومش عارف ينطق حرف، كأنه لسه شايفني لأول مرة في حياته.
​مبصتش لحد فيهم،
مشيت ورا الشيف "محمود" لحد المكتب. أول ما

تم نسخ الرابط