درس قاسي حكايات صافي هاني
دخلنا وقفل الباب، اتنهدت تنهيدة طويلة كأني كنت شايلة جبل على كتافي. محمود قالي باحترام: "حقك عليا يا ست الكل، مكنتش أعرف إنهم هيتجرأوا يعملوا كدة، لو كنت أعرف مكنتش سمحت لهم يدخلوا من باب المطعم."
قلت له: "ولا يهمك يا محمود، كان لازم أشوف الحقيقة بعيني عشان قلبي يطاوعني على اللي هعمله."
قعدت على الكرسي الجلد المريح، ومحمود حط قدامي كشف الحساب السنوي وعقود الشراكة الجديدة. المطعم ده اللي هما قاعدين يتمنظروا فيه، أنا شريكه فيه بنسبة 40% من سنين.. من أول ما بدأت أورد ليهم الخضار واللحمة من مزرعتي الصغيرة اللي كبرتها بدم قلبي وعرقي، لحد ما بقيت المورد الأساسي وشريك في الإدارة.
طلعت الموبايل وبعت رسالة لطارق: "العشا اللي أنت بتاكله ده، من شقايا. والمكان اللي أنت قاعد فيه، أنا صاحبته. والمقام اللي كنت بتكلمني عنه.. أنت لسه بدري قوي عشان تعرف توصله."
طلعت من المكتب بعد ربع ساعة، لقيتهم لسه قاعدين، بس مكنوش بياكلوا. كانوا ملمومين حوالين بعض وبيوشوشوا بـ رعب. أول ما شافوني خارجة، طارق قام وقف وجري عليا: "ماما.. أنا.. أنا مكنتش أعرف.. نيرمين كانت فاكرة إن.."
قاطعته بإيدي: "نيرمين مش هي المشكلة يا طارق.. المشكلة فيك أنت. اللي يرضى على أمه الإهانة عشان يرضي غيره، ملوش مكان في حياتي."
نيرمين حاولت تبتسم ابتسامة صفراء وقالت: "يا طنط إحنا كنا بنهزر معاكي، إحنا بنحبك قوي والله.."
بصيت لها من فوق لتحت وقلت
سبتهم وخرجت للهواء النضيف، ركبت عربيتي وأنا حاسة بـ راحة غريبة. الأمومة مش بس تضحية، الأمومة كمان كرامة. ومن يومها، طارق عرف إن "المقام" مش بالفلوس ولا بالمنظرة، المقام باللي بيصون الأصل.. وأنا أصلي مبيتهزش.
مشيت ناحية باب المطعم وأنا سامعة صوت كرسيه وهو بيتجر بلهفة ورايا. "ماما.. استني بس يا ماما!"
وقفت عند الباب قبل ما أخرج، لفتله وبصيت في عينه بكل قوة وقلت له: "عارف يا طارق؟ أنا طول عمري كنت بخاف عليك من الهوا الطاير، كنت فاكرة إن حنيتي دي هي اللي هتعملك راجل.. بس النهاردة اكتشفت إني ربيت جسم، ونسيت أربي أصل."
نيرمين جت وراه وهي بتفرك في إيدها، وشها اللي كان كله كبر وقسوة من شوية، بقى دلوقتي كله تمسكن: "يا طنط والله سوء تفاهم، أنا كنت مفكرة إن حضرتك تعبانة والمياه أخف ليكي.."
ضحكت ضحكة قصيرة وقطعت كلامها: "وفري تمثيلك ده يا بنتي.. اللي تغلط في حد في غيبته ممكن تتصلح، لكن اللي تغلط في أم قدام ابنها وهي عارفة إنه مش هيفتح بقه، تبقى قاصدة تذل.. والذل ده مش موجود في قاموسي."
طلعت من شنطتي مفتاح الشقة اللي كنت جيباها ليهم هدية بمناسبة جوازهم، شقة العمر اللي كنت محوشة تمنها مليم على مليم، وحطيتها في إيد طارق.
قلت له: "دي كانت أمانة عندي، ودلوقتي بردت في عيني. الشقة دي باسمي، ومن
طارق صرخ بصدمة: "يا أمي هتطردينا؟ أنا ابنك!"
رديت عليه بوجع بس بجمود: "أنت اللي طردتني من قلبك ومن كرامتك قدام الغريب يا طارق قبل ما أطردك من الشقة. اللي يبعني برخص التراب، مشتريهوش بكنوز الدنيا."
ركبت عربيتي، وسبتهم واقفين على الرصيف قدام المطعم الفخم.. شكلهم كان "صغير" قوي، أصغر بكتير من كوباية المياه اللي كانت محطوطة قدامي.
فتحت شباك العربية، شميت ريس الهوا وبصيت للسما وقلت: "يا رب، أنت اللي عالم باللي فات، وعالم إني عمري ما قصرت."
دورت العربية ومشيت وأنا شايفة في المراية طارق وهو واقف مكانه، منهار.. بس المرة دي مكنش فيه "أم" تجري عليه تمسح دموعه، لأن الأم اللي جواه كانت خلاص... اكتفت.
روحت بيتي، والمكان اللي كان زمان بيحسسني بالوحدة، النهاردة حسسني بالحرية. قعدت مع نفسي وشربت شاي، وكنت مستنية الموبايل يرن.. وعارفة إنه مش هيبطل رن.
طارق فضل يتصل، ونيرمين بعتت رسايل اعتذار طول الليل، وأهلها اللي كانوا بيقيسوا الناس بفلوسهم، بعتوا يقولوا إنهم "فهموا الموقف غلط". مسحت كل الرسايل وعملت "بلوك" للكل. مش قسوة قلب، بس ده الوقت اللي لازم أحب فيه نفسي بعد ما ضيعت عمري كله بحب ناس مستاهلتش.
تاني يوم الصبح، روحت الشركة بتاعتي، المزرعة اللي كبرت وبقت صرح. طلبت المحامي وقلت له:
"كل اللي كنت كاتبه لطارق في وصيتي، يتلغى. مفيش
وبعد أسبوع، طارق جالي المكتب. كان شكله متبهدل، عينه مكسورة، وباين عليه إنه منامش. وقف قدامي وقالي بصوت واطي:
"نيرمين سابتني يا أمي.. لما عرفت إن الشقة هتتاخد وإني مليش نصيب في المطعم ولا في الشركة، قالتلي إنها متقدرش تعيش مع واحد (فقير)."
بصيت له بشفقة، بس المرة دي شفقة الغريب مش الأم:
"هي مسابتكش عشان بقيت فقير فلوس يا طارق.. هي سابتك لأنك طلعت فقير شخصية. لو كنت وقفت وقفة رجالة قدامها في المطعم، كانت عملت لك ألف حساب حتى وأنت مش معاك مليم.. لكن اللي يبيع أمه عشان يرضي مراته، مراته أول واحدة هتدوس عليه."
حاول يمسك إيدي عشان يبوسها وهو بيعيط: "سامحيني يا أمي، والله اتعلمت الدرس."
سحبت إيدي بالراحة وقلت له: "المسامحة بينك وبين ربنا يا ابني، أنا خلاص صفحتك قفلتها بوجعها وبحلوها. الدرس اللي أخدته في المطعم كان غالي، وتمنه إنك تعتمد على نفسك من الصفر. وريني شطارتك يا ابن (الشغالة) اللي كنت مكسوف منها، وابني نفسك بنفسك."
خرج من عندي وهو بيجر أذيال الخيبة، وأنا وقفت قدام الشباك وبصيت للشمس.
الدرس مكنش بس ليهم، كان ليا أنا كمان.. إن "المقام" إحنا اللي بنصنعه لنفسنا بكرامتنا، مش بكلمة حلوة من حد، ولا بعزومة في مطعم غالي.
دلوقتي بس، قدرت أشرب كوباية المياه اللي كانت قدامي في المطعم.. بس شربتها