الشغاله وولية النعمه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

​الدنيا كانت وقت عصر، والشمس فوق "نايل جراند" نازلة زي النار.
​قدام مدخل واحد من أشيك مطاعم القاهرة، نزلت مدام شريفة من عربيتها الفارهة، وهي لابسة نضارة شمس مغطية نص وشها، والشنطة البراند في إيدها، وريحة برفيوم قالبة المكان قبل ما تنطق بكلمة.
​وراها كانت ماشية الست هنية، الشغالة اللي بتدير بيتها.
​ست عندها ستين سنة، لابسة عباية بسيطة وطرحة هادية، وصندل قديم، وعيون باين عليها التعب. الست هنية كانت لافة وراها طول الصبح في مشاوير وطلبات، شايلة الشنط، وفاتحة الأبواب، وساكتة وصابرة زي الستات اللي في سنها وشقاها ما اتعودوا يستحملوا عشان لقمة العيش.
​لما شريفة قربت من الباب، هنية اتحركت طبيعي عشان تدخل وراها، لكن شريفة وقفت فجأة ولفت بصت لها بنظرة قرف، كأنها شافت حشرة ماشية على سجادة حرير.
​قالت شريفة ببرود: "على فين يا هنية؟ إنتي رايحة فين بالظبط؟"
​هنية برقت بذهول وقالت: "يا ست هانم.. أنا افتكرت إننا هنتغدى."
​شريفة ضحكت ضحكة صفرا وقالت: "أنا اللي هتغدى.. مش إنتي."
​عينيها نزلت تتفحص عباية هنية وصندلها ووشها المرهق: "بصي

لمنظرك.. العباية دي ولا الصندل ده.. عاوزة تكسفيني جوه؟ المكان ده للأكابر وبس، وأنا بصراحة نفسي هتتسد لو شوفتك قاعدة قدامي على ترابيزة."
​فتحت شنطتها، وطلعت ورقة بمتين جنيه، ورمتها في إيد الست الكبيرة: "خدي.. روحي هاتي لك سندوتشين من المحل اللي على الناصية ده، واستني هنا بره في الظل جنب الأمن عشان عيني تبقى عليكي."
​ولفت ودخلت المطعم ولا كأنها تعرفها، اختفت في التكييف والزجاج اللامع والفخامة، وسابت الست هنية واقفة بره.
​في الحر..
جوعانة.. ومنكسرة.. وتعبانة.
​هنية قعدت على الرصيف قريبة من المدخل، ماسكة الفلوس المكمشة في إيدها، وبتهوي على نفسها بقطعة كرتون. ومن ورا الإزاز، كانت شايفة شريفة وهي قاعدة على ترابيزة شيك، بتطلب أفخم الأطباق وبتبتسم للمنيو، وكأن الست اللي بره دي مالهاش وجود.
​بعد دقايق، وقفت عربية مرسيدس سوداء قدام المطعم.
نزل منها أستاذ محمود، صاحب المطعم.
راجل وقور، لبسه شيك، وهيبته تملا المكان، من نوعية الناس اللي كلامهم هادي بس مسموع.
​وهو داخل المطعم، لفت نظره الست اللي قاعدة على جنب في الحر ده.
خطواته بدأت
تبطأ..
بص لها تاني..
وفجأة وقف مكانه تماماً. ملامح وشه اتغيرت 180 درجة.
​قال بصوت واطي مش مصدق عينيه: "يا خالة.. خالة هنية؟"
​الست المسنة رفعت راسها وهي مستغربة: "أيوة يا ابني.. إنت تعرفني؟"
​محمود قرب منها، وفجأة ملامحه مابقيتش مجرد مفاجأة، ده كان اعتراف بالجميل.. اعتراف غالي أوي. عينيه بدأت تدمع وهو بيمسك إيديها الاتنين بحنية كبيرة: "إنتي مش عارفاني؟ أنا محمود.. محمود الصغير اليتيم اللي كان بيخبط على بابك زمان وهو ميت من الجوع عشان تديله لقمة."
​هنية فضلت باصة له بتركيز..
وفجأة عينها جت على علامة صغيرة "خياطة" جنب حاجبه.
إيديها بدأت تترعش: "محمود؟ يا ضنايا.. هو إنت بجد؟"
​وفي اللحظة دي، شريط العمر كله رجع قدامهم.
الست اللي شريفة رمتها بره في الحر، كانت بالنسبة لصاحب المطعم هي أغلى إنسانة في الدنيا.
زمان، لما محمود ماكانش حيلته حاجة، وكان طفل يتيم ملوش حد، كانت هنية بتقسم لقمة عيشها معاه، وبتحميه وتطبطب عليه وتعامله كأنه ابنها.
​ودلوقتي، هو واقف قدامها بصفته صاحب أكبر مطاعم البلد.
وده معناه إن شريفة أهانت الشخص الغلط.
. قدام الشخص الغلط.
​محمود اتعدل في وقفته، وبص من ورا الإزاز على الترابيزة اللي قاعدة عليها شريفة وهي بتشرب العصير ببرود، وبعدين بص لهنية بحنان وقال: "اتفضلي معايا يا أمي.. مكانك مش هنا أبداً."
​سندها بإيده ودخل بيها المطعم.
وفي اللحظة دي، كل الناس اللي في المطعم لفتت رؤوسها تتفرج..
بما فيهم شريفة.
​والنظرة اللي كانت على وش شريفة لما شافت صاحب المكان وهو داخل ومعاه الشغالة وبيقعدها في ركن الـ VIP..
دي كانت مجرد البداية.
​إيه اللي هيحصل لما شريفة تعرف إن "الخادمة" هي ولية نِعمة صاحب المكان؟

الجزء الثاني
​محمود مشي بالست هنية وسط انبهار الزباين، وسحب لها الكرسي بنفسه في أحسن مكان في المطعم، مكان مخصص لكبار الشخصيات. شريفة في اللحظة دي كانت هتموت من الحيرة، "إزاي صاحب المكان ده كله يسيب شغله ويمسك إيد الخدامة بتاعتي كأنها ملكة؟".
​وقفت شريفة وهي مش قادرة تسكت، وراحت ناحية ترابيزة محمود وقالت بصوت عالي: "أستاذ محمود! أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل ده؟ الست دي شغالة عندي، وأنا ممشيّاها ورايا طول النهار عشان تساعدني، حضرتك إزاي

تقعدها هنا؟ دي حتى هدومها مش مناسبة للمكان."

تم نسخ الرابط