شكوك طفله حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

للعيال وتلبسهم الأساور اللي فيها الأسامي، بدلت الأساور بالغلظ.
​بنتي كان عندها حق.. الأمومة مش بس بالولادة، الأمومة بالروح، وهي روحها حست بأخوها من أول نظرة.
​لما دخلت الغرفة التانية وشفت ابني الحقيقي.. خدته في حضني ودموعي منشفتش. كانت لحظة صعبة ومؤلمة، بس لولا ذكاء بنتي وإصرارها، كان كل واحد فينا عاش حياته وهو مربي طفل مش ابنه، وضاع حقنا وحق الطفل ده في إنه يعيش وسط أهله الحقيقيين.
​الحمد لله إن الحق ظهر، ومن يومها وأنا بتعلم إن عيون الأطفال ساعات بتشوف اللي إحنا ككبار بنعجز نشوفه.
بعد ما رجعت ابني الحقيقي لحضني، كنت فاكرة إن الكابوس خلص، بس الحقيقة إن اللي حصل في المستشفى ساب جوايا جرح مش سهل يلم.
​الأم التانية كانت ست غلبانة جداً، قعدت تعيط وتعتذر لي وهي مش مصدقة إنها كانت بترضع ابني يومين كاملين وهي فاكرة إنه ابنها. الموقف كان يقطع القلب، إحنا الاتنين كنا ضحايا لإهمال ملوش مبرر.
​لما رجعنا البيت، بنتي "إيلي" كانت قاعدة مستنية

على الكنبة. أول ما شافتني داخلة بالبيبي الحقيقي، قامت وقفت، وعينيها لمعت بدموع فرحة حقيقية. مالت عليه، وبسته من جبهته وقالت بهدوء:
"أهلاً بيك في بيتك يا بوب.. وحشتني."
​في اللحظة دي، سألتها وأنا مذهولة: "يا بنتي، إنتي عرفتي إزاي؟ إحنا كبار ومخدناش بالنا!"
بصت لي بذكاء وقالت: "يا ماما، أنا كنت بكلمه وهو في بطنك كل يوم، كنت عارفة ملامحه في خيالي، ولما شفت التاني، قلبي متاحش.. كان فيه حاجة غلط في ريحته، وفي نظرة عينيه."
​إدارة المستشفى حاولت تلم الموضوع وتعرض علينا تعويضات عشان منرفعش قضية، بس جوزي صمم ياخد إجراء قانوني رسمي، مش عشان الفلوس، بس عشان الإهمال ده ميتكررش مع حد تاني ويحرق قلب أم تانية.
​عدت الشهور، وبوب كبر وبقى ميملاش عينه غير أخته "إيلي". كأن فيه رابط سحري بينهم بدأ من قبل ما يتولد. وأنا بقيت كل ما أبص لها، أحس بالفخر إن عندي بنت مش بس ذكية، دي عندها بصيرة أقوى من أي حد.
​اتعلمت من اللي حصل إننا لازم نسمع لولادنا، حتى
لو كلامهم يبان خيالي أو مش منطقي، لأن الفطرة اللي ربنا خلقهم بيها أحياناً بتبقى أصدق من ألف دليل. وقبل ما أنام كل ليلة، بحمد ربنا إن الحق ظهر، وإن ابني نام في حضني أنا، مش في حضن غريب.
الحكاية مخلصتش عند مجرد رجوع "بوب" لحضني، لأن اللي حصل بعد كدة كان أغرب.
​بعد مرور أسبوعين، الباب خبط، ولقيت الأم التانية واقفة قدامي، ملامحها كانت تعبانة جداً وباين عليها الهم. دخلتها وقفدنا، ولقيتها بتقولي بكسرة: "أنا مش عارفة أنام.. الطفل اللي معايا من ساعة ما رجعنا وهو مش بيبطل عياط، رافض يرضع ورافض ينام، وكأنه بيدور على حد."
​بصيت لها وقلبي وجعني، وفهمت إن الرابط اللي اتكون في اليومين اللي بدلوا فيهم العيال مكنش سهل يتمحي. بنتي "إيلي" كانت واقفة بتراقب الموقف، ودخلت فجأة المطبخ وعملت كوباية يانسون دافية للست وقالت لها: "اهدي يا طنط، هو بس لسه متلخبط، هاتيه في حضني شوية."
​بمجرد ما إيلي شالت البيبي التاني (اللي كان معانا في الأول)، الطفل سكت
تماماً وهدي. الست بصت لنا بذهول وقالت: "إنتي إيه سرك يا بنتي؟"
​إيلي ردت بمنتهى الهدوء: "السر إننا كلنا بقينا أهل.. هو رضع من ماما، وبوب رضع منك، يعني العيال دي بقوا إخوات في الإسلام.. إحنا لازم نفضل قريبين."
​كلام بنتي نزل عليا زي المية الباردة. فعلاً، "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". بدل ما نقضي حياتنا في المحاكم والقضايا، قررنا أنا والست دي إننا نتحول لعيلة واحدة. هي بقت زي أختي، وعيالنا كبروا وهما عارفين إن ليهم أمتين وبيتين.
​المستشفى طبعاً خدت جزاءها والقانون خد مجراه في التحقيق مع الممرضات المقصرات، بس إحنا اخترنا السلام النفسي.
​دلوقتي، لما بوب بيكبر وبشوفه بيلعب مع "أخوه" التاني، بفتكر دايماً إن ربنا مبيعملش حاجة صدفه، وإن غلطة الممرضة كانت سبب في إن عيلتين متعرفش بعض يبقوا سند لبعض في الدنيا.
​وعرفت إن "إيلي" مكنتش مجرد بنت بتنقذ أخوها، دي كانت "البصيرة" اللي ربنا بعتها عشان تألف بين القلوب وتمنع كارثة كانت ممكن تدمر
حياتنا للأبد.
​تمت.

تم نسخ الرابط