كشف الخداع حكايات صافي هاني
الجنينة كانت هادية بزيادة، هدوء مريب ميطمنش، كأنها بتداري كذبة كبيرة.
شمس العصاري كانت بتتسحب بين الشجر وترسم بقع دهبية ناعمة على الأرض. ورق الشجر بيتحرك براحة فوق المشاية الرخام، والفيلا اللي ورا الدكة كانت واقفة في صمت وهيبة، باين عليها العز.. من نوعية الأماكن اللي الأسرار فيها بتعرف تلبس شيك وتداري بلاويها.
على الدكة كان قاعد عزت بيه، راجل غني لابس بدلة كحلي شيك، إيد ساندة على ركبته، ونضارة شمس سودة مخبية عينيه. كان باين عليه الثبات والرزانة، زي أي حد قضى سنين بيقنع الكل ونفسه كمان إن العَمى خلاه أهدى، وأضعف، ومالوش في المشاكل.
فجأة، وقفت قدامه بنت صغيرة بفستان أصفر.
لا كانت مكسوفة، ولا كانت خايفة.
بكل جرأة، خبطت بكفها الصغير على جبهته وقربت منه لدرجة خلت الراجل يترمي لورا بضهره من الصدمة.
أنت مش أعمى!
الكلمة شقت هدوء الجنينة أقوى من أي صرخة.
عزت بيه اتشبث بطرف الدكة، مذهول مش من الاتهام، لكن من الثقة اللي في نبرة البنت.
فستان البنت كان مبهدل شوية وعليه تراب، وجزمتها مقشرة، وعينيها مليانة دموع، بس وقفتها كانت فيها قوة غريبة.
على بعد كام متر، شيرين اتصمرت في مكانها، إيديها على بوقها، وعينيها بتلمع بجرم واضح وصريح.
صوت الراجل طلع حاد ومنفعل
إنتي قلتي إيه؟
البنت مردتش بكلام.. شدت النظارة السودة من على وشه بقوة.
وهناك كانت الصدمة..
عينيه فتحت في لحظتها.
لا هي عميا، ولا مطفية، ولا فيها إصابة.
عينين صاحية وبتراقب كل حاجة.
الجنينة كأن الهوا طار منها والكل كتم نفسه.
البنت فضلت ماسكة النظارة بإيد، وبالإيد التانية شاورت على شيرين وهي بتقول بوضوح
دي مراتك!
عزت لف وشه ناحيتها بحدة، شيرين رجعت خطوة لورا.. والخطوة دي كانت كفاية أوي، لأن البريء دايماً بياخد خطوة لقدام مش لورا.
البنت قربت من الدكة أكتر، وصوتها بقى واطي ومخنوق
هي اللي بتحطلك الحاجة دي في أكلك.
شيرين شهقت من الصدمة، وعزت فضل يبص بينها وبين البنت، مش قادر يستوعب حجم التمثيلية اللي كانت بتتعمل عليه طول السنين دي.
إنتي بتقولي إيه؟
شفايف البنت كانت بتترعش بس صوتها فضل ثابت
بتحطلك الدوا ده في الشاي بتاعك.
شيرين حاولت تقرب وتتكلم، بس الخوف شل حركتها ورجعت تاني.
عزت قام نص قومة من على الدكة، وإيده ضاغطة على الخشب لدرجة إن عقل صوابعه ابيضّت.
البنت قربت آخر خطوة وهي لسه بتشاور بصباعها
اسألها كانت بتحط إيه في الشاي.
عزت اتلفت بكامل جسمه لمراته، اللي وقفت مبرقة وبوقها مفتوح، وبدأت تتراجع
وقبل ما يقف على رجله تماماً، عينه لمحت حاجة في إيد البنت التانية..
معلقة دوا فضة صغيرة، وعليها محفور شعار العيلة.
عزت بيه فضل مثبت عينه على المعلقة الفضة، كأن شريط حياته كله بيتعرض قدامه في ثانية. الصمت كان تقيل لدرجة إن صوت نفس شيرين المكتوم كان مسموع.
عزت قام وقف على طوله، هيبته رجعت تملى المكان، وعينيه اللي كان مخبيها ورا النظارة بقت زي الصقر. بص لشيرين بنظرة حادة خلت الرعب يدب في أوصالها، وقال بصوت واطي ومرعب
بقى المعلقة دي هي اللي كانت بتسقيني العجز كل يوم؟
شيرين لسانها اتعقد، وبدأت تتهته
يا عزت.. والله البنت دي كدابة.. دي أكيد حد زقها علينا.. أنت هتصدق عيلة زي دي وتكدبني؟
البنت الصغيرة متهزتش، مدت إيديها بالمعلقة وقالت بمنتهى البراءة والقوة في نفس الوقت
أنا مش كدابة.. أنا شفتها بعيني وهي بتطلع القزازة الصغيرة من ورا البرواز اللي في المكتب، وبتقلبها بالمعلقة دي في كوباية الشاي بتاعتك قبل ما تطلعلك الجنينة.. كانت فاكرة إني نايمة، بس أنا كنت شيفاها من فتحة الباب.
عزت قرب من شيرين بخطوات بطيئة، والست كانت بترجع لورا لحد ما خبطت في شجرة الجميز الكبيرة اللي في طرف الجنينة. عزت رفع المعلقة الفضة قدام وشها
المعلقة دي من طقم الجواز يا شيرين.. الطقم اللي اخترناه سوا عشان نبني بيه بيت.. مش عشان تهدي بيه حياتي وتعمي عيني عن غدرك.
شيرين انهارت وبدأت تعيط بنهنهة
أنا عملت كده عشان أحميك.. عشان متسبنيش.. أنت كنت دايماً مشغول، وكنت خايفة تضيع مني!
عزت ضحك ضحكة وجع مكتومة
تحميني؟ تقوم تطفئ النور في عيني وتخليني عايش زي الميت؟ تخليني محتاجلك في كل خطوة وأنا أصلاً مش محتاج غير إني أشوف الحقيقة؟
التفت عزت للبنت الصغيرة، ملامحه لانت شوية، ونزل لمستواها ومسح دمعة كانت نازلة على خدها
انتي اسمك إيه يا شاطرة؟
البنت ردت بصوت مهزوز
اسمي مريم.
عزت طبطب على كتفها وقال
مريم.. اسم على مسمى، صنتي الأمانة ونطقتي بالحق في وقت الكل فيه كان بيمثل.. روحي يا بنتي، إنتي النهاردة رجعتيلي نظري اللي ضاع مني سنين.
بص لشيرين للمرة الأخيرة وقال بلهجة قاطعة مفيهاش رجوع
الجنينة دي والبيت ده ميبقاش ليكي مكان فيهم من اللحظة دي.. الحقيقة ظهرت، والظلم ليله قصير مهما طال.. اطلعي بره حياتي، والحساب بينا هيكون عند اللي عينه مش بتنام.
شيرين لمت فستانها وجريت وهي بتعيط ومنهارة، وعزت فضل واقف في وسط الجنينة، رفع راسه للسما، وغمض عينيه وشمه الهوا لأول مرة وكأنه
الجنينة اللي كانت هادية