كشف الخداع حكايات صافي هاني
بزيادة، بدأت عصافيرها تغرد، وكأن الحياة رجعت فيها من جديد بعد ما الكذبة انفضحت.
عزت فضل واقف مكانه، عينه لسه مراقبة شيرين وهي بتختفي من قدامه، كأنه بيودع سنين من الخداع كانت محاوطاه زي الضباب.
التفت لمريم، البنت الصغيرة اللي لسه واقفة ماسكة طرف فستانها المبهدل. عزت مد إيده وخد منها المعلقة الفضة، بص فيها وسرح لثواني، وبعدين نزل على ركبته عشان يبقى في مستوى طولها.
قوليلي يا مريم.. إنتي ليه عملتي كده؟ ليه جيتي قُلتيلي دلوقتي بالذات؟
مريم نزلت راسها في الأرض وصوتها طلع واطي
عشان جدي الله يرحمه كان دايماً بيقولي إن الساكت عن الحق شيطان أخرس.. وأنا شفتك يا عمو وأنت بتصلي في الجنينة وبتبكي، فقلت حرام راجل طيب زيك يعيش في الضلمة وهو لسه فيه نور في عينيه.
كلام البنت نزل على قلب عزت زي المطر اللي بيغسل هموم سنين. دمعة حقيقية نزلت من عينه، بس المرة دي دمعة راحة مش دمعة عجز.
ونِعم بالله يا بنتي.. جِدك رباكي صح.
عزت قام وقف، طلع تليفونه من جيبه، واتصل
أيوة يا متر.. تلغي كل التوكيلات اللي باسم شيرين.. وتجهزلي ورق الطلاق.. وعاوز بلاغ رسمي للنيابة بمحاولة تسميم عمد.. المعلقة والدوا اللي هي مخبياه هما الدليل.
قفل الخط وبص حواليه، الجنينة اللي كانت سجن بقيت جنة فعلاً. الشمس كانت بدأت تغيب، بس عزت كان حاسس إن يومه لسه بيبدأ.
مسك إيد مريم وقالها
تعالي يا مريم.. نطلع بره السور ده.. أنا عاوز أشوف الدنيا بجد، وعاوزك تدليني على بيت أهلك عشان أشكرهم إنهم طلعوا بنت بطلة زيك.
مريم ابتسمت، والضحكة نورت وشها المتريب. مشيوا هما الاتنين، هو بخطوات واثقة مفيهاش تردد، وهي بتنط بفرحة جنب منه.
وفي اللحظة دي، عزت عرف إن ربنا لما بيقفل باب، بيبعت مريم تفتح ألف باب وباب، وإن الحق دايماً صوته أعلى، حتى لو طلع من حنجرة طفلة صغيرة.
خرج عزت مع مريم من بوابة الفيلا الحديدية الكبيرة، ولأول مرة من سنين مكنش ساند على
وصلوا لبيوت بسيطة قريبة من المنطقة، مريم شاورت على بيت صغير وقالت بصوت فرحان
هو ده بيتنا يا عمو.
قدام البيت، كان قاعد راجل عجوز بجلابية بسيطة، ملامحه كلها شقا وتعب بس فيها رضا غريب. أول ما شاف مريم جريت عليه وحضنته، قام وقف وهو مستغرب من الراجل الشيك اللي جاي معاها.
عزت قرب منه وسلم عليه بحرارة
يا حاج، أنا عزت.. وبنتك مريم النهاردة عملت معايا جميل مش هقدر أوفيه طول عمري.
الأب استغرب خير يا بيه؟ مريم عملت إيه؟ دي لسه طفلة.
عزت رد عليه بنبرة كلها امتنان
الطفلة دي رجعتلي بصري.. ورجعتلي حياتي اللي كانت بتتسحب مني بالبطيء. إنت عرفت تربي يا حاج، ربيت بنت بمليون راجل، عرفتها إن كلمة الحق أهم من أي حاجة.
الراجل العجوز ابتسم بهدوء وقال
الحمد لله يا بيه، إحنا ناس على قد حالنا، بس بنعرف عيالنا إن الرزق يحب الخفية بس الحق يحب القوة،
عزت طلع من جيبه كارت وحطه في إيد الراجل
يا حاج، من بكره مريم دي مسؤولة مني، أحسن تعليم وأحسن عيشة، مش مقابل اللي عملته، لا.. ده عشان نضمن إن النبتة الطيبة دي تكبر وتطرح خير في وسطنا. ومريم مش هتسيب بيتكم، بس أنا هكون ضهر ليها وليكم.
مريم بصت لعزت بعيون بتلمع وسألت ببرائة
يعني إنت خلاص هتشوف علطول يا عمو؟ مش هتلبس النظارة السودة تاني؟
عزت ضحك من قلبه، ضحكة صافية مسمعهاش من زمان، وقالها
خلاص يا مريم.. النظارة دي اتكسرت مع الكدب اللي انكسر. من هنا ورايح، هشوف الدنيا بيكي وبالحق اللي نورتيه في طريقي.
ودعهم عزت ورجع لبيته، بس المرة دي دخل وهو اللي بيفتح النور بإيده، قعد في مكتبه، بص لصورة قديمة ليه وهو صغير، وهمس لنفسه
يا رب، لك الحمد إنك كشفتلي الغمة قبل ما العمر يضيع في الضلمة.
ومن الليلة دي، عزت بيه مبقاش بس الراجل الغني صاحب الأملاك، بقى الراجل اللي بيشوف بقلبه قبل عينيه، وعاشت مريم قصة البطلة الصغيرة اللي