ورثه جشعين حكايات صافي هاني
بعد جنازة جوزي، رجعت البيت وفستاني الأسود خنقني من الحر والهم. فتحت الباب.. لقيت حماتي ومعاها تمنية من قرايبه نازلين لم في الشنط وكأنهم في فندق. البيت ده بقى بتاعنا، وكل حاجة تخص إبراهيم بقت ملكنا. وإنتي يا شاطرة، برا، قالوا كده بمنتهى البجاحة ولا حتى وطوا صوتهم. وقفت مكان مذهولة لثانية.. وبعدين ضحكت. ضحكت لدرجة إنهم كلهم سكتوا. عشان لو فاكرين فعلاً إن إبراهيم مسبش حاجة، يبقى عمرهم ما عرفوا هو مين بجد.. ولا عرفوا هو مضى على إيه قبل ما يموت.
على ما طلعت الدور التالت، كانت رجلي ورمت ودماغي هتنفجر. الطرقة لسه فيها ريحة صوان العزا. كنت شايلة الكعب في إيد، والمفاتيح في الإيد التانية، وبدعي ربنا بحاجة واحدة بس الهدوء.
بس ملقيتش هدوء.
فتحت الباب لقيت الحاجة هدى حماتي واقفة في صالة الأكل بتوزع أوامر وكأنها بتسكن سياح في قرية. دواليب الهدوم مفتوحة، وقمصان إبراهيم مرمية نصها على الشماعات. الشنط مالية الطرقة، وعلى السفرة أظرفة ومفاتيح وليستة مكتوبة بخط إيدها السمج الهدوم، الأجهزة، الورق.
البيت ده بقا بتاعنا، قالتها ولا اتهزت لما شافتني. وكل حاجة تخص إبراهيم تبعنا. اتفضلي إنتي بقا من غير مطرود.
مدحت، واحد من ولاد عم إبراهيم، قفل سوستة شنطة وبص لي بابتسامة صفراء
بصيت وراهم على التربيزة اللي جنب الباب، كان لسه فيه ورد العزا وصورته. داسوا حواليه، ومدوا إيديهم من فوق حاجته، واتعاملوا مع وجعي وكأنه حتة عفش زيادة.
مين اللي فتح لكم الباب؟ سألتهم.
حماتي رفعت مفتاح نحاس أنا أمه.. ومعايا مفتاح من يوم ما سكنتوا.
خالته فوزية فتحت درج مكتب إبراهيم وبدأت تنبش في الورق. قلتلها متلمسيش حاجة، بصت لي بمنتهى الغل والاحتقار.
وإنتي تطلعي مين دلوقتي؟ قالتها بسخرية، مجرد أرملة.. خلاص بح.
دي اللحظة اللي ضحكت فيها.
مش عشان في حاجة تضحك، بس عشان من ست ليالي، في أوضة المستشفى اللي ريحتها مطهر ومطر، إبراهيم ضغط على إيدي وهمس لي لو جم قبل ما ورد العزا يدبل، اضحكي الأول.. والمحامية إيمان هتقوم بالباقي.
ضحكت لحد ما الأوضة كلها سكتت.
ملامح حماتي اتقلبت إنتي جرا لعقلك حاجة؟
قلت وأنا بمسح عيني لأ، إنتوا بس وقعتوا في نفس الغلطة اللي بتغلطوها مع إبراهيم طول عمره. افتكرتوا إنه عشان كان عايش في حاله ومالوش في المنظرة يبقى معندوش حاجة. عشان عمره ما اتفشخر بفلوسه افتكرتوا ملوش سلطة. وعشان عمركم ما فهمتوه، افتكرتوا إنه مأمنش نفسه.
مدحت وقف عدل وقال مفيش وصية،
قلت له طبعاً دورتوا، وطبعاً ملقيتوش.
تليفوني اتهز في إيدي. رسالة من إيمان إحنا تحت.
بصيت لمكتب إبراهيم، وبعدين لحماتي، وبعدين لصورته اللي عند الباب.
قلت بهدوء عمركم ما عرفتوا إبراهيم بجد، وأكيد متعرفوش هو مضى على إيه قبل ما يموت بست أيام.
خبط الباب جه في لحظتها.
لما فتحت الباب ولقيت المحامية إيمان ومعاها معاون من القسم، ومدير العمارة، وفي إيدها دوسيه أسود عليه اسم هدى في أول ورقة.. الابتسامة اختفت تماماً من وش حماتي.
إيمان المحامية دخلت بخطوة واثقة، وبصت للشنط المرمية في الصالة بنظرة قرف، وطلعت من الدوسيه الورقة الرسمية.
الحاجة هدى؟ إيمان سألت بصوت هادي ورزين، حضرتك والأساتذة اللي معاكي قدامكم بالظبط عشر دقايق. اللي هيتأخر ثانية واحدة، المعاون هيعمل له محضر تهجم وسرقة بالإكراه.
حماتي وشها جاب ألوان إنتي بتقولي إيه يا ست إنتي؟ ده بيت ابني! إحنا الورثة، والست دي ملهاش هنا غير التمن.
إيمان ابتسمت ببرود وفتحت الدوسيه إبراهيم الله يرحمه كان بايع البيت ده لمراته آية بيع وشراء من سنة، ومسجل في الشهر العقاري. مش بس كده، إبراهيم قبل ما يموت بست أيام، عمل عقد قسمة وتجنب وتنازل عن كل أملاكه السائلة والمنقولة لآية، مقابل مبالغ كانت هي مسلفاها
مدحت حاول يتدخل بصوت عالي ده كلام فارغ! الورق ده مزور! إحنا هنرفع قضايا!
المعاون اتدخل بلهجة حازمة يا أستاذ، الورق ده عليه ختم النسر وموثق. أي اعتراض خليه قدام المحكمة، لكن دلوقتي البيت ده له صاحبة، وهي مش عاوزاكم فيه. اتفضلوا من غير شوشرة عشان منظركوا قدام الجيران.
خالته فوزية سابت الورق اللي في إيدها وكأن نار حرقتها، وبدأت تلملم في طرحتها وهي بتبرطم باع أهله عشان خاطر واحدة؟ مكنش ابني اللي ربيته.
بصيت لها وقلت لها بمنتهى الثبات إبراهيم مباعش أهله.. إبراهيم اشترى كرامة مراته اللي كنتم هترموها في الشارع وهو لسه تربته منديّة. هو كان عارف إنكم هتيجوا قبل ما الورد يدبل، وعشان كده ساب لي الحق اللي يخليني أضحك في وشكم وأنا قلبي مكسور عليه.
بدأوا يجروا الشنط اللي عبوها بقمصانه وساعاته وهدومه، ويطلعوها برا وهما بيبصوا لي بحقد وغل. حماتي وهي طالعة، وقفت عند الباب وبصت لصورته وقالت بمرارة حرمتنا منه حي وميت يا إبراهيم.
رديت عليها وأنا بقفل الباب وراهم إنتي اللي حرمتي نفسك منه لما شوفتيه ورث قبل ما تشوفيه ابن.. الباب يفوت جمل.
قفلت الترباس، وسندت