ورثه جشعين حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

لأول مرة من ساعة ما دخلوا. بصيت للمحامية وقلت لها شكراً يا إيمان.. إبراهيم كان صح، هما فعلاً مجوش غير بالعين الحمرا.
إيمان طبطبت على كتفي ادعي له يا آية، كان حاسس بيكي، والحمد لله إننا لحقنا نخلص الإجراءات قبل ما الروح تطلع لبارئها. ارتاحي دلوقتي، البيت بقا أمان.
دخلت أوضتي، ريحة إبراهيم كانت لسه في المكان، بس المرة دي مكنتش خايفة ولا حاسة إني غريبة.. كنت حاسة إنه لسه بيحميني حتى وهو في دار الحق.
قعدت على الكنبة وإيدي بتترعش، مش من الخوف، من كتر الضغط اللي انزاح عن قلبي. الصالة اللي كانت من شوية مليانة دوشة وطمع، فجأة بقت فاضية ومفيش فيها غير ريحة المسك اللي كان إبراهيم بيحبه.
إيمان المحامية قعدت جنبي وهدتني خلاص يا آية، الموضوع خلص. الورق ده سيف على رقبتهم، ومحدش فيهم هيقدر يعتّب باب الشقة دي تاني.
بصيت لها وقلت لها بحرقة عارفة يا إيمان؟ أصعب حاجة مش إنهم عاوزين ياخدوا الشقة، الأصعب إنهم مأمهلوش عليه ليلة واحدة في قبره. كانوا بيقيسوا السجاد وهدومه وهو لسه مكملش 24 ساعة بين إيدين ربنا.
إيمان اتنهدت وقالت النفوس يا بنتي.. إبراهيم
كان عارفهم كويس، وعشان كده لما كلمني من المستشفى وصمم يخلص كل حاجة وهو تعبان، كان بيقول لي آية ملهاش حد غيري، ومش عاوزهم يكسروها بعد ما أمشي.
قمت وقفت وبصيت لصورة إبراهيم اللي كانت محطوطة في برواز خشب بسيط، ولمستها بصباعي عاش ساترني ومات وهو شايل همي.. الله يرحمك يا أصيل.
لميت الورد اللي كان مبهدل في الأرض بسبب دبشهم، ورجعت رتبت صورته ومصحفه اللي خالته كانت عاوزة تاخده. فتحت الشبابيك عشان أدخل هوا جديد يطرد ريحة غدرهم من البيت.
وبينما أنا بلملم اللي اتفضل من كرامتهم المرمية، لقيت ورقة صغيرة واقعة تحت مكتبه، مكتوبة بخط إيده
يا آية، لو قرأتي الورقة دي، يبقى هما عملوا اللي كنت خايف منه. متزعليش منهم، ادعي لهم بالهداية وادعي لي بالرحمة. أنا مسبتلكيش حيطان، أنا سبتلك أمان عشان تعيشي راسك مرفوعة. خليكي قوية زي ما عرفتك.
مسحت دموعي وابتسمت وسط الوجع. إبراهيم مسبليش شقة وعفش وبس، إبراهيم ساب لي درس إن الحق دايماً صوته أعلى، وإن اللي بيتقي الله في بيته وأهله، ربنا مبيسيبوش أبداً.
دخلت المطبخ، عملت كوباية شاي، وقعدت في البلكونة أبص على
الشارع.. ولأول مرة من يوم الوفاة، حسيت إني مش لوحدي، وإني قادرة أواجه الدنيا دي كلها، طالما كان ورايا راجل عرف يصون الأمانة حتى وهو في قبره.
بعد أسبوع، الباب خبط تاني. قلبي نغزني للحظة، بس افتكرت إن آية بتاعة زمان اللي كانت بتخاف من خيالها ماتت مع إبراهيم. فتحت الباب، لقيت مدحت واقف، بس المرة دي وشه كان في الأرض، ومعهوش شنط، معاه كبير العيلة الحاج صلاح.
الحاج صلاح دخل وهو بيستغفر ربنا، وقعد في الصالة وبص لي بكسوف يا بنتي، اللي حصل الأسبوع اللي فات ده كان ساعة شيطان، والولاد غلطوا وطمعوا، وإحنا جينا نصفي النفوس.
مدحت اتكلم بصوت واطي إحنا عرفنا إن إبراهيم كان سايب وصية تانية في البنك.. بس الموظف قال إنها مش هتتفتح غير بحضورك.
بصيت لمدحت بنظرة عرفته إنه مكشوف قدامي، وقلت ببرود إبراهيم مسبش وصايا تانية للورث يا مدحت، إبراهيم ساب أمانات. ويلا بينا على البنك عشان نخلص الحكاية دي للأبد.
في البنك، الموظف طلع صندوق حديد صغير، وفتحه قدامنا. مدحت وعيون قرايبه كانت هتطلع على الصندوق، فاكرين إن فيه الكنز اللي إبراهيم مخبيه. الموظف طلع ظرف
مكتوب عليه لأهلي.. عشان يفتكروني.
مدحت فتح الظرف بلهفة، بس ملقاش عقود ولا فلوس. لقى مجموعة صور قديمة.. صور لإبراهيم وهو صغير مع أمه، وصورته وهو شايل مدحت وهو بيعيط، وصور لجمعة العيلة زمان. ومعاهم ورقة مكتوب فيها
الفلوس بتروح وتيجي، والحيطان بتهدها الأيام. أنا كنت فاكر إن كفني هيشيل دعاكم، مش هيشيل طمعكم. الورق اللي مع آية هو حقها اللي دفعته من عمرها وصحتها معايا. أما إنتوا.. فليكم عندي الذكرى دي، يمكن تحنن قلوبكم على بعض.
مدحت رمى الورقة على المكتب وهو مش مصدق، والحاج صلاح دمع وقال بعنا الغالي بالرخيص يا ولاد.
خرجت من البنك وأنا حاسة إني طايرة. بصيت لمدحت وقلت له جملة واحدة قبل ما أمشي إبراهيم كان غني جداً يا مدحت.. بس إنتوا اللي كنتوا بتدوروا في الجيوب، ونسيتوا تدوروا في القلوب.
رجعت بيتي، قفلت الباب، وبصيت لصورة إبراهيم اللي منورة الصالة. المرة دي مضحكتش، المرة دي سجدت شكر لله إن ربنا نصرني، وإن إبراهيم فضل عايش جوايا بمواقفه مش بفلوسه.
ومن يومها، عرفت إن الست مش محتاجة حيطان تسند عليها، هي محتاجة راجل يكون هو الحيطة، حتى
وهو مش موجود.
تمت.

تم نسخ الرابط