طلاق وجشع حكايات صافي هاني
بعد خمس دقايق بالظبط من توقيع ورق الطلاق، طليقي كان فاكر إنه خلاص "كوش" على كل حاجة؛ الشقة الدوبلكس، الفلوس، حتى "المستقبل المثالي" اللي راسم خياله عليه. مكلمتوش، ولا عافرت معاه، ولا حتى فتحت بوقي بكلمة.. خدت ولادي ومشيت. اللي مكنش يعرفه المسكين إن كل اللي هو متبت فيه ده، بدأ يهرب من بين إيديه وهو مش دريان.
الساعة كانت عشرة وتلات دقايق بالظبط، الصبح كان غيم وكئيب، شيلت إيدي من على الورقة بعد ما مضيت اسمي بـ "الباركر" بتاعي، ومع الحركة البسيطة دي قفلت فصل كامل من عمري بهدوء غريب صدم كل اللي قاعدين. المكتب اللي كنا فيه كان فخم بزيادة، رخام وأزاز وديكورات مكلّفة، من النوع اللي معمول عشان يخلي "خراب البيوت" يبدو شيك ومنظم، بس الحقيقة مفيش أي حاجة "شيك" في سنين عمري الـ 12 اللي ضاعوا وأنا بحاول أحافظ على البيت ده.
أنا اسمي فاتن، وعندي 32 سنة، أم لولد وبنت، نوح وكارما، وبقيت "طليقة" إبراهيم، الراجل اللي كان زمان بيكلمني عن الجواز وكأنه رباط مقدس، ودلوقتي قاعد قدامي بيعدل في "الكرافتة" الماركة بتاعته بملل، وكأنه مستني مصلحة أهم متعطلة على شوية الورق دول. مرفعش عينه فيا
السكوت اللي كان بينا مكنش راحة، كان زي السكوت اللي بيجي بعد زلزال هدّ كل حاجة. المحامي بتاعي كان قاعد جنبي هادي ومركز، وأخت إبراهيم كانت ساندة على الشباك اللي كاشف النيل، ومربعة إيديها وهي لابسة طقم غالي، ومرسوم على وشها ابتسامة شماتة من النوع اللي الستات بترسمه لما يحسوا إن الأيام أثبتت وجهة نظرهم فيكي.
وفجأة.. موبايله رن.
مكنتش رنة عادية، ولا الهزة الهادية بتاعة حد عامل اعتبار للموقف اللي إحنا فيه. دي كانت نغمة مخصوصة، نغمة واضحة إنها لواحدة "تانية" ليها مكانة تانية خالص. رد إبراهيم في ثانية، وصوته اتغير 180 درجة، لدرجة إني رغم كل اللي حصل، حسيت بنغزة باردة في قلبي.
قال بصوت ناعم وفيه لهفة مسمعتهاش منه من سنين: "يا حبيبتي خلاص، خلصنا.. أنا قايم أهو. النهاردة ميعاد السونار المهم، صح؟ متقلقيش، أنا جايلك فوراً. أمي وكارولين في الطريق أصلًا، كلنا هنبقى موجودين عشان نشوف (ابني)".
قفل السكة، حط الموبايل في جيبه، وبص لي أخيراً.
وقال لي ببرود: "الطفل ده هو مستقبل عيلة الشناوي.. أخيراً بقى عندي وريث حقيقي".
ابتسمت ابتسامة خفيفة، واحدة من النوع اللي بيخلي اللي قدامك يتجنن لأنه مش فاهمها، ولميت شنطتي بمنتهى الهدوء.
"مبروك يا إبراهيم، يتربى في عزك،" قولت الجملة دي وأنا قايمة، وصوتي كان أهدى مما يتخيل. بص لي باستغراب، كان مستني يشوف دموعي، كان مستني يلمح في عيني نظرة كسر أو قهرة، بس ملقاش غير جبل من الثبات.
كارولين أخته سابت الشباك وقربت منا وهي بتعدل الشنطة الجلد اللي على كتفها، وقالت بصوت مسموع: "يالا يا هيما، مفيش وقت، البنت مستنية في المستشفى والمدام هنا أكيد محتاجة وقت تستوعب إنها خلاص بقت بره اللعبة."
مرديتش عليها، مكنش فيه داعي أرد على حد خلاص "انتهى" بالنسبة لي. بصيت لولادي اللي كانوا قاعدين بره مع السكرتيرة، نوح كان ماسك إيد أخته كارما وبيحاول يطمنها، وفي اللحظة دي اتأكدت إن اللي عملته هو الصح.
وإحنا نازلين في الأسانسير، إبراهيم كان مشغول بيبعت رسايل وصوته مالي المكان وهو بيحكي لوالدته عن "الوريث" اللي جاي في
أول ما رجلي لمست الرصيف، الهوا البارد خبط في وشي، وكأنه بيغسل سنين من الخنقة. طلعت موبايلي وكلمت المحامي بتاعي اللي كان لسه فوق بيقفل الإجراءات الإدارية.
"أستاذ مدحت، جهز لي الملف التاني،" قولتله وأنا عيني على إبراهيم وهو بيركب عربيته الفخمة ويدوس بنزين وهو طاير من الفرحة. "اللي هو فاكر إنه (كوش) عليه، ميسواش تمن الورق اللي مضى عليه.. الوقت جه عشان يعرف إن الشركة والأسهم وحتى السقيفة اللي هو فرحان بيها، كلها باسمي أنا، وبتوكيل منه هو شخصيًا من تلات سنين لما كان خايف من الضرائب."
قفلت السكة، بصيت لولادي وابتسمت: "يالا يا حبايبي، النهاردة هنبدأ حياتنا بجد، ومن غير تمثيل."
إبراهيم لسه ميعرفش إنه وهو رايح يشوف ابنه "الوريث"، كان بيودع كل مليم حيلته، لأن اللعبة اللي هو بدأها.. أنا اللي حطيت قانون النهاية بتاعها.
مشيت خطوتين وأنا حاسة إن الأرض بتشيلني، مش أنا اللي ماشية عليها. نوح وكارما كانوا ماسكين في إيدي، مستغربين الهدوء اللي أنا فيه، هدوء ما قبل العاصفة اللي هتاكل الأخضر واليابس