طلاق وجشع حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

​ركبت عربيتي، وسندت راسي على الدركسيون ثانية واحدة.. اتنفست فيها بعمق. إبراهيم طول عمره كان بيحب المظاهر، بيعبد الفلوس والاسم، وعشان كدة كان "صيد سهل" لما بدأ يلعب بديله من تلات سنين. وقتها، لما كان خايف من مصلحة الضرائب والديون اللي بدأت تتراكم على شركته، جه وتحايل عليا عشان ينقل كل الأصول والأسهم باسمي "صوريًا" زي ما كان فاهم.. وعملي توكيل رسمي عام شامل يخليني أبيع وأشتري حتى في هدومه اللي لابسها.
​فتحت الموبايل، وبصيت على الرسالة اللي جت لي من البنك.. تم تحويل مبلغ تأمين السقيفة (الدوبلكس) لحسابي الشخصي.
​في نفس اللحظة، موبايلي رن.. كان هو.
​"فاتن! إنتي فين؟ المحامي بيكلمني وبيقول إن فيه غرامات بنكية متأخرة على حساباتي، وأنا مش عارف أسحب مليم من المكنة! إيه المهزلة دي؟" صوت إبراهيم كان طالع فيه نبرة رعب بدأ يتسرب لقلبه.
​رديت ببرود يحرق الدم: "مهزلة؟ لا يا هيما، دي الحقيقة. الحقيقة اللي إنت كنت مشغول عنها وأنت بترسم مستقبلك مع 'الوريث' بتاعك. الحسابات دي اتقفلت لأنها أصلًا تابعة للشركة.. والشركة، زي ما إنت عارف ومضي ب إيدك، بقت ملكي."
​سمعت
صوت أنفاسه وهي بتعلى، وكأنه بيغرق: "انتي بتقولي إيه؟ إنتي اتجننتي؟ دي فلوسي! ده شقايا!"
​ضحكت ضحكة خفيفة: "شقاك اللي بنيته على حسابي وحساب ولادك؟ اللي كنت بتصرفه على الهانم وأنت حارمنا من حنانك؟ بص يا إبراهيم.. السقيفة اللي إنت كنت فاكر إنك هتسكن فيها 'الوريث' الجديد، أنا بعتها الصبح قبل ما نتقابل. والمشتركين في الشركة جالهم إخطار رسمي إنك مبقتش المدير التنفيذي."
​سكت ثانية وكملت بلهجة مصرية حامية: "إنت دلوقتي معاك 'الوريث'.. مبروك عليك، بس يا خسارة، الوريث ده هيتولد لقى أبوه 'على الحديدة'.. يا دوبك معاك تمن تذكرة المترو اللي تروح بيها المستشفى."
​رزعت السكة في وشه قبل ما ينطق بكلمة. بصيت للمراية، شوفت ست تانية خالص غير اللي كانت متجوزة من 12 سنة. ست قوية، حرة، ومعاها حقها وحق ولادها تالت ومتلت.
​دوست بنزين وأنا بقول لنفسي: "الدرس الأول يا إبراهيم.. اللي يبيبع الأصل عشان خاطر 'صورة'.. بيصحى يلاقي نفسه لا طايل الأصل، ولا حتى فاضله الصورة."
فتحت الشباك بتاع العربية وسبت الهوا يطير شعري، وكأني بنفض عني تراب سنين من الذل. نوح بص لي وهو مستغرب وقال:
"ماما، هو إحنا مش هنروح البيت؟"
​ابتسمت له وبصيت في المراية: "لا يا حبيبي، البيت ده خلاص مابقاش بتاعنا.. إحنا رايحين بيتنا الجديد، بيت حقيقي مفيهوش كذب ولا وجع قلب."
​في اللحظة دي، الموبايل مابطلش رن.. كارولين أخته كانت بتبعت رسائل صوتية زي المجنونة، بتشتم وبتهدد، وصوتها كان باين فيه إن الابتسامة اللي كانت على وشها في المكتب اتمسحت وطلعت مكانها كسرة مابعدها كسرة. سمعت أول رسالة وهي بتقول: "يا فاتن إنتي هتودي نفسك في داهية! إبراهيم هيحبسك! إزاي تبيعي العفش واللوحات اللي في الشقة؟ دي أملاك عيلة الشناوي!"
​ضحكت بصوت عالي وأنا بسوق، ورديت بمسج واحدة: "سلمي لي على أملاك العيلة، وقولي لإبراهيم إن المحضر في طريقه ليه دلوقتي على المستشفى.. عشان يبلغه بميعاد إخلاء السقيفة خلال 24 ساعة، لأن المالك الجديد عايز يستلمها فاضية."
​وصلت قدام عمارة هادية على النيل، مش فخفخة كدابة زي اللي كان عايش فيها، بس مكان فيه روح وشمس. ركنت العربية ونزلت ولادي، وفي الوقت ده كان إبراهيم بيحاول يتصل للمرة العشرين. فتحت الخط وسيبته يتكلم.
​"فاتن، أنا هقتلك! إنتي فاكرة إنك هتفلتي
باللي عملتيه ده؟ أنا هقلب الدنيا عليكي، هسحب منك الولاد، هعرف الكل إنك نصابة!" كان صوته مخنوق بالدموع، مش دموع ندم، دي دموع الراجل اللي لقى نفسه فجأة "صفر" على الشمال.
​وقفت في نص الشارع، وبكل ثبات قولتله: "الولاد؟ الولاد اللي كنت بتنسى ميعاد تمرينهم؟ اللي مكنتش تعرف هما في سنة كام؟ اسمع يا إبراهيم.. القضية اللي المحامي بتاعي رفعها النهاردة مش بس عشان الفلوس، دي قضية إهمال وفساد مالي في الشركة بالأدلة اللي إنت مضيت عليها وأنت مغمى عينك بالغرور. لو فكرت بس تقرب من الولاد، هطلع الملفات اللي تخليك تقضي 'مستقبلك المثالي' ده ورا القضبان."
​سكت فجأة، النفس اللي كان طالع منه كأنه نار انطفى بطلقة واحدة من كلامي.
​"دلوقتي روح افرح بالوريث بتاعك،" كملت وأنا بطلع مفتاح بيتي الجديد، "بس افتكر دايمًا.. إنك ضيعت عيلة كاملة عشان خاطر وهم، والوهم ده هو اللي هيخليك تشحت الراحة ومش هتلاقيها."
​قفلت السكة، وعملت له "بلوك" من حياتي كلها. مسكت إيد نوح وكارما، وطلعت السلم وأنا حاسة إني أخف من الريشة. لأول مرة من سنين، كنت بنام وأنا مش خايفة من بكرة، لأن بكرة ده بقى ملكي
أنا وبس.
​النهاية.

تم نسخ الرابط