جارتي وتنقذني حكايات صافي هاني
الساعة كانت 307 الفجر بالدقيقة.
خبطة الباب مكنتش خبطة عادية، ولا هي خبطة حد مستحي أو جار بطاريته نامت وعاوز وصلة، ولا حد جاله طرد غلط. كانت خبطة حادة، سريعة، ومرعبة كفاية إنها تشق سكون الليل وتخليني أتنفض في السرير قبل ما أفتح عيني حتى.
جوزي أحمد اتمطع جنبي ونام على جنبه التاني وهو بيبرطم، وبنتنا ليلى كانت نايمة في أوضتها لآخر الممر. البيت كله كان كحل، مفيش غير النور الأزرق اللي طالع من شاشة مراقبة البيبي اللي لسه بنشغلها بحكم التعود رغم إن ليلى عندها 6 سنين وتقدر تنادينا لو احتاجت حاجة. بصيت في الساعة، وبعدين بصيت لأحمد.
أنت سمعت ده؟
وقبل ما يرد، الخبط اتكرر تاني.
تلات خبطات رزع.
وبعدين صوت ست، واطي بس حازم، جاي من ورا الباب يا ميا.. افتحي.. بسرعة.
دي كانت مدام سحر.
جارتنا.
ساكنة بعد مننا ببيتين في الحي الهادي اللي إحنا فيه. ست في الخمسينات، أرملة، وموظفة حكومة متقاعدة من النوع اللي بياخد باله من كل كبيرة وصغيرة ومبيفوتش حاجة. مكنتش ست بتاعة دراما خالص، وده بالظبط اللي خلاني أمشي في الطرقة حافية وقلبي بيدق في رجلي من الرعب.
أول ما فتحت الباب، مدام سحر دخلت من غير ما تستنى عزومة. كانت لابسة لبس خروج سريع وشكلها شاحب جداً تحت
قالتلي كلمة واحدة لمي شنطتك.. فوراً.. أهلك مش هما اللي إنتي فاكراهم.
وقفت متنحة لها ثانية أهلي مين؟
بصت من ورايا ناحية السلم وقالت صحي أحمد وصحي ليلى. وهاتي أوراقكم الرسمية لو تقدري. قدامكم عشر دقايق.
أحمد كان نزل ورايا وواقف ساند على سور السلم، لسه بيغسل عينه من النوم وبدأ يضايق يا مدام سحر، في إيه بس على الفجر؟
لفت له وقالت بمنتهى القوة أخوك كريم في الطريق لهنا، ومش جاي لوحده.
الجملة دي فوقته تماماً.
كريم، أخو أحمد الكبير، كان بقاله شهور بيحوم حوالينا تحت غطاء خوفه على مصلحة العيلة. من ساعة ما أحمد رفض يضمنه في قرض ل مشروعه الجديد اللي كان التالت في سلسلة مشاريع فاشلة، والمكالمات قلبت لقلة أدب. وبعدها دخلت حماتي الحاجة فوزية في الخط، اللي شايفة إن فشل ابنها الكبير مجرد عترة وإن حدود ابنه الصغير مجرد عقوق وجحود. من أسبوعين، الحاجة فوزية جت فجأة وقعدت تعيط في مدخل البيت وتقول فين صلة الرحم؟ وكريم قاعد في العربية برا رافض ينزل.
إحنا افتكرنا إن ده أسوأ حاجة ممكن تحصل.
بس الظاهر إن مدام سحر كان عندها علم بحاجة تانية خالص.
سألتها بذهول وعرفتي الكلام ده منين؟
طلعت ورقة مطبوعة من جيبها وادتهالي. كانت لقطة شاشة سكرين شوت
وتحتها، رسالة تانية من واحد اسمه وائل هات الميكروباص معاك. يمكن نحتاج ننقل عفش أو حاجات بسرعة قبل ما تلم علينا الناس وتعمل فيها ضحية وتصوت.
حسيت الدم هرب من وشي.
مدام سحر قالت بصوت واطي جداً أنا بشتغل بارتتايم مع طليقة وائل ده، وهي بعتتلي الصورة دي من ثلث ساعة. يا ميا، لمي شنطتكم.
في اللحظة دي بس صدقتها.
مش لأني فاهمة إيه اللي هيحصل بالظبط..
لكن لأن أحياناً الحقيقة بتخبط في وشك لما تخلص كل حججك في الدفاع عن اللي حواليك.
وعلى الساعة 311 الفجر، كنت واقفة في أوضة بنتي بفتح الأدراج وإيدي بتترعش، وأنا عارفة إن حياتنا قبل اللحظة دي.. غير حياتنا بعدها تماماً.
إيدي كانت بتترعش وأنا بحط هدوم ليلى في الشنطة، وأحمد كان واقف ورايا مش مستوعب، بيلبس هدومه وهو بيسأل بصوت واطي ومبحوح يعني إيه يا ميا؟ يعني إيه ينقلوا حاجات؟ هما فاكرين البيت سداح مداح؟
مدام سحر كانت واقفة عند باب الأوضة، عينها على الساعة وودنها
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. مفتاح البيت! حماتي لما كانت هنا بتعيط كانت بتخطط لده؟
أخدت ليلى وهي نايمة، شيلتها بالراحة وحطيتها على كتفي. البنت كانت دافية وريحتها نوم، ومكنتش فاهمة ليه حياتها الهادية بتتهز فجأة كدة. نزلنا السلم بخطوات مكتومة، وأحمد ماسك شنطة فيها الأوراق المهمة وفلوس الطوارئ اللي كنا شايلينها في الدرج.
مدام سحر شورت لنا نخرج من باب المطبخ اللي ورا، بعيد عن الأنوار وكاميرات الجيران. عربيتي مركونة في الشارع اللي ورا، عربيتكم لو اتحركت دلوقتي صوتها هيجيبهم.
وإحنا بنمشي في الضلمة بين الشجر، سمعنا صوت ميكروباص بيهدي السرعة في أول الشارع. قلبي كان بيدق لدرجة إني كنت خايفة ليلى تصحى على صوته.
وقفنا ورا سور جنينة مدام سحر وشفنا الميكروباص وهو بيقف قدام باب بيتنا بالظبط. النور طفى، ونزل منه تلات رجالة. ميزت طول كريم أخو جوزي، وجنبه واحد ضخم لابس كاب، غالباً هو وائل. كريم طلع المفتاح وفتحه ببطء وبمنتهى الثقة، وكأنه داخل بيته مش بيت أخوه.
أحمد كان