عيد الميلاد حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


​كنت غرقانة في غضبي، وفي كسوفي من نفسي إني جبت ابني البيت ده أصلاً.
​وعند الباب، أخويا زعق ورايا إني بأكد وجهة نظره، وأمي قالت لي ما تكبريش الموضوع.. لفت وسألتها: "الموضوع لازم يصغر لحد فين عشان تحسي بيه؟".
​ماحدش رد.
​برا في الهواء الساقع، حسيت إني بدأت أنضف. ابني كان هدي ونام من التعب، النوع ده من الهدوء اللي بيوجع القلب أكتر من الدوشة. جوزي ربطه في كرسي العربية بإيد ثابتة وطلع بينا من غير ما ينطق ولا كلمة.
​تاني يوم الصبح، أمي كلمتني تسألني "هديتي ولا لسه؟".
​وبعدها أبويا كلمني يقولي "الإخوات دايماً بياخدوا على بعض كدة".
​وعلى العصر، أخويا اتصل يفهمني إن "رشة المية" كانت هزار وإني أنا اللي خليت شكلها وحش وكأني بتعرض للأذى.
​دي كانت اللحظة اللي كل حاجة نورت فيها جوايا.
​هم مش ندمانين.. هم بيحاولوا يغيروا الحقيقة.
​وبعد يومين، لما أختي بعتت لي رسالة فيها كلمتين: "شوفي صفحة أخوكي".. فتحت الموبايل وفهمت إن عشاء العيد ده ماكنش أبداً عشاء عائلي بالنسبة له.
​ده كان "محتوى" بيلم بيه لايكات.

فتحت الصفحة ولقيت الفيديو "تريند".. أخويا

كان منزل اللقطة ومعاها موسيقى مضحكة وعامل "مونتاج" يخلي صرخة ابني تبان كأنها رد فعل كوميدي، والتعليقات كانت عبارة عن ناس بتضحك وناس تانية بتقول عليه "خال فرفوش".
​في اللحظة دي، القرف اللي كنت حاسة بيه اتحول لبرود تام.
​كلمت جوزي ووريته الفيديو. بص للهاتف وسكت، وبعدين بص لي وقال: "إحنا مش محتاجين الناس دي في حياتنا يا إيمي.. اللي يبيع دموع طفل عشان شوية لايكات، ما يتأمنش على بيت ولا على عرض".
​أمي فضلت تتصل، وأبويا بعت رسالة طويلة بيقول فيها إن "الرزق يحب الخفية" وإن أخويا جاله "شغل" بسبب الفيديو ده، وإن المفروض أفرح لنجاحه بدل ما أقطع رحمي.
​رديت برسالة واحدة للجروب بتاع العيلة:
"ابني مش مادة للإعلانات، وكرامة بيتي مش مجال للهزار. اللي يشوف وجع طفلي الصغير 'محتوى'، ملوش مكان في حياتي".
​وعملت "بلوك" للكل.
​أختي بروك هي الوحيدة اللي جت لي البيت بعدها بأسبوع. كانت لسه شاحبة، وقالت لي جملة واحدة: "أنا كنت خايفة أعمل زيّك، بس لما شوفت محمود وهو بيوقف ريان عند حده، عرفت إننا كبرنا في بيت بيقدس الصورة أكتر من البني آدم.. أنا كمان مش
هرجع هناك تاني".
​لأول مرة من سنين، حسيت إن بيتي هو المكان الوحيد الأمان. ابني نايم في هدوء، وجوزي جنبي، والعيد اللي فات ده ماكنش مجرد ذكرى وحشة.. كان اليوم اللي غسلنا فيه حياتنا من كل الزيف، زي ما المية الساقعة غسلت وش ابني وفوقته.. هي كمان فوقتني.
مرت شهور، وحياتنا بقت أهدى بكتير من غير "الدوشة" والكاميرات اللي كانت بتحاصرنا في كل مناسبة. ابني كبر وبدأ يخطو أول خطواته، ومحمود كان هو السند اللي بجد، بيعوضه عن كل لحظة خوف عاشها.
​في يوم، لقيت خالي بيكلمني، الراجل ده أنا بحترمه جداً لأنه عاقل وموزون. قعد يحايل فيا ويقولي: "يا بنتي المسامح كريم، وأخوكي لسه طايش والنت لحس دماغه، وأمك بتموت من القهر عشان مابتشوفش حفيدها".
​قلت له يا خال: "الموضوع مش زعلة وتروح لحالها، الموضوع إنهم استباحوا ابني. لو كان ريان جه اعتذر وباس رأس الواد ومسح الفيديو، كنت قولت ماشي.. لكن هو كان بيتباهى بوجع ابني عشان يزود المتابعين".
​المفاجأة كانت إن ريان نفسه دخل في الخط بعدها بيومين، بس مش عشان يعتذر، لأ.. عشان يطلب مني "أتنازل" عن البلاغ اللي محمود
كان قدمه في "مباحث الإنترنت" بخصوص استغلال طفل في محتوى تجاري بدون إذن أهله.
​محمود ما قاليش إنه عمل كدة، بس لما سألته، بص لي بكل ثبات وقال: "أنا مش هسيب حق ابني يضيع عشان خاطر ناس ما عرفتش يعني إيه أمانة. لو سبناه المرة دي، بكرة هيصوروه وهو بيعيط في جنازة عشان 'المشاهدات'".
​ريان حاول يبتزني عاطفياً ويقول إن مستقبله هيضيع، بس المرة دي قلبي كان حجر. قولت له: "مستقبلك اللي بيتبني على دموع طفل ما يستحقش يعيش".
​أمي وأبويا فضلوا يبعتوا ناس ووسطاء، بس أنا كنت اتعلمت الدرس: "السكوت على الغلط مش طيبة، ده مشاركة فيه".
​النهاردة، وإحنا بنحتفل بعيد ميلاد ابني الأول، البيت كان مليان ناس بتحبه بجد.. أختي بروك، وجوزي، وصحابنا اللي زي الإخوات. ما كانش فيه "رينج لايت" ولا بث مباشر، كان فيه بس ضحكة ابني الصافية وهو بيطفي شمعته.
​بصيت لمحمود وقلت له: "شكراً إنك وقفت الوقفة دي، شكراً إنك علمتني إن العيلة مش بس دم، العيلة هي اللي تحس بيك وتصونك".
​ابتسم وشال الواد على كتفه وقال: "دي أول مرة في البيت ده يا إيمي، نضحك من قلبنا بجد.. مش عشان الكاميرا،
عشان إحنا فرحانين".
​تمت.

تم نسخ الرابط