اختي تطلب المال حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

هطلب منك فلوس تاني، بس خليكي أحسن منهم وكلمي أبوكي طيب خاطره، هو قلبه طيب بس كرامته وجعاه.
رديت عليها في كلمة واحدة
يا ماما، اللي كرامته وجعاه ميطلبش من بنته تفعله مبالغ هو عارف إنها فوق طاقتها بالتهديد. ياسمين دلوقت بتتعلم أهم درس في حياتها إن القرش مبيجيش بالساهل، وإن الناس مش ملزمة تشيل شيلة غيرها. لما تحس بجد إنها غلطت، وتعتذر عن قلة أدبها، ساعتها ممكن أفكر أساعدها تلاقي شغل، مش أدفع لها إيجار.
قفلت السكة، وقمت عملت لنفسي كوباية شاي بالنعناع، وقعدت في البلكونة أتفرج على الدراما اللي تحت في الشارع.. دراما الناس العادية، مش الدراما المفتعلة بتاعة عيلتي.
لأول مرة في حياتي، أدركت إن السكوت عن الحق مش فضيلة، وإن الطيبة الزيادة هي اللي خلتهم يتمادوا. النهاردة أنا مش البنت الوحشة، أنا البنت اللي حطت حدود، والحدود دي هي اللي هتحميني بقية عمري.
ياسمين هتدور على شغل، وبابا هيهدى لما يلاقي مفيش فايدة من الزعل، وأمي هتفضل تحاول تصالحنا.. بس مفيش حاجة هترجع زي الأول. أنا خلاص خرجت من الحظيرة، وبقيت محاسبة لنفسي وبس.
اتنهدت براحة، وبصيت للسما وقلت يا رب، ديمها نعمة.. نعمة العقل والحدود.
عدى أسبوعين، والهدوء اللي كنت فيه بدأ يتحول لواقع جديد. ياسمين فعلاً مقدرتش تصمد عند خالتي أكتر من عشر أيام؛ خالتي من النوع اللي كلمتها تسم، وكل شوية تفكرها باللقمة اللي بتاكلها وتقولها ما تروحي تبيعي شنطك دي وتجيبي
لنا كيلو لحمة ناكله بدل ما إنتي عالة علينا.
ياسمين اضطرت لأول مرة في حياتها تنزل تدور على شغل بجد. مش بيزنس ولا أفكار مجنونة، نزلت تشتغل موظفة استقبال في عيادة بمرتب يدوب يكفي مواصلاتها وأكلها.
في يوم، لقيت خبط رقيق على الباب. فتحت لقيت ياسمين.. بس مش ياسمين بتاعة زمان. كانت لابسة لبس بسيط، وشها مجهد، ومفيش في إيدها غير كيس صغير فيه علبة حلويات بسيطة.
وقفت قدامي وبصت في الأرض وقالت بصوت واطي ممكن أدخل؟
سعتها ودخلت. قعدت على طرف الكنبة وقالت أنا مش جاية أطلب فلوس.. والله ما جاية أطلب حاجة. أنا بس... أنا تعبت يا سارة. تعبت من نظرات الناس، ومن قسوة بابا، ومن كلام خالتي اللي زي السكاكين. أنا مكنتش فاهمة إن الدنيا صعبة كدة، كنت فاكرة إن الفلوس دي حاجة سهلة وبتيجي بضغطة زرار منك.
بصيت لها وسبتها تكمل.
قالت بدموع بابا كان بيشجعني أطلب منك عشان هو كمان كان بيستسهل، وأنا استغليت ده. أنا آسفة.. أنا النهاردة قبضت أول أسبوع لي في العيادة، وعرفت يعني إيه قرش بيجي بطلوع الروح. أنا هسكن في سكن مغتربات قريب من شغلي، بس كنت عايزة أمشي وأنا مش زعلانة منك.
في اللحظة دي، حسيت إن القرصة اللي قرصتها لها كانت هي الدوا الصح. قمت وقعدت جنبها وقلت لها يا ياسمين، أنا مش عدوتك. أنا أكتر واحدة في الدنيا كان نفسي أشوفك ناجحة ومسؤولة. الفلوس اللي كنت بدفعها لك كانت بتموت فيكي الطموح وبتخليكي تتكلي عليا. دلوقتي بس، إنتي
بدأتي تبقي بني آدمة ليها قيمة.
طلعت من محفظتي مبلغ بسيط، مش حق إيجار ولا حاجة كبيرة، واديتهولها وقلت لها ده مش عشان تدفعي مديونيات. ده عشان تجيبي لنفسك لبس مريح للشغل، ومساعدة مني ليكي في أول شهر في سكن المغتربات.. اعتبريها سلفة، وهترجعيها لما أمورك تتظبط.
ياسمين وعيطت بحرقة، كأنها كانت محتاجة ده أكتر من الفلوس.
بعد ما مشيت، بابا كلمني. صوته كان هادي، مكسور شوية، بس فيه احترام مكنش موجود قبل كدة. قالي كل سنة وإنتي طيبة يا بنتي.. ياسمين حكت لي اللي حصل. يمكن أنا قسيت عليكي، بس كنت فاكر إن ده اللي بيحافظ على لمتنا. طلعتي إنتي اللي فاهمة صح.
قفلت المكالمة وأنا حاسة بانتصار حقيقي. مش انتصار على أهلي، لكن انتصار ليهم. علمتهم إن الحب مش معناه الاستغلال، وإن العيلة سند لبعض في الأزمات الحقيقية، مش شماعة للفشل.
فتحت شباك بلكونتي، الهوا كان ساقع وجميل. بصيت لشقتي اللي بقت أخيراً مملكتي بجد، مش مجرد بنك للعيلة. النهاردة بس، أقدر أقول إننا بقينا عيلة بجد.. عيلة قايمة على الاحترام، مش على التهديد.
ومرت الشهور، والحال اتصلح بس على نظافة.
ياسمين انتظمت في شغلها، وبدأت فعلاً تحس بقيمة التعب. بقت لما تعزمنا على بيتزا من مرتبها، بتبقى فخورة بنفسها أكتر بكتير من أيام ما كانت بتصرف آلافات مش بتاعتها. أما بابا، فبقى بيعمل لي ألف حساب؛ مش خوف مني، لكن احترام للكلمة اللي بقولها، وعرف إن لا بتاعتي معناها لا بجد،
وإن مصلحة العيلة في إن كل واحد يشيل شيلته.
في يوم جمعة، كنا متجمعين كلنا في بيت بابا. أمي كانت عاملة المحشي اللي بنحبه، والجو كان هادي وجميل. بابا بص لي وهو بيشرب الشاي وقال قدام الكل عارفة يا سارة.. أنا كنت زعلان منك وقتها، بس النهاردة وأنا شايف أختك بتعتمد على نفسها وليها كيان، عرفت إنك كنتِ أحنّ علينا مننا.
ياسمين ضحكت وقالت له دي سارة دي ديب يا بابا، مكنتش بتعلمني الأدب بس، دي كانت بتعلمني أعيش.
فتحت شنطتي وطلعت منها أظرف صغيرة، واديت واحد لبابا وواحد لأمي.
إيه ده يا بنتي؟ أمي سألت باستغراب.
قلت لها بابتسامة دي تذاكر
عمرة ليكم إنتوا الاتنين.. أنا كنت محوشة المبلغ ده من زمان، بس كنت مستنية اللحظة اللي أحس فيها إن الفلوس دي رايحة للي يستاهلها بجد، مش رايحة تسد خرم في سفينة بتغرق بسبب الإهمال.
أمي عيطت من الفرحة، وبابا قام باس راسي. في اللحظة دي، مكنتش حاسة بسعادة عشان العُمرة، كنت حاسة بسعادة لأني قدرت أرجّع الهيبة لمعنى العطاء. العطاء اللي بيجي من الحب والتقدير، مش من الضغط والتهديد.
ياسمين غمزت لي وقالت بصوت واطي طب وأنا مفيش ظرف ليا؟
ضحكت وقلت لها إنتي ظرفك إنك بقيتي أختي اللي أفتخر بيها.. وده أغلى من أي فلوس.
خرجت من بيتهم يومها وأنا حاسة بوزن تقيل انزاح من على كتافي. بصيت للسما وقلت الحمد لله.
أحياناً، بنحتاج نكون قاسيين عشان نصلح اللي اتكسر، ونحتاج نقول لا عشان نفتح باب ل نعم تكون
حقيقية وطالعة من القلب.
تمت.

تم نسخ الرابط