هدية البينت حكايات صافي هاني
أنا جبت لابويا عربية ربع نقل "دابل كابينة" زيرو بمناسبة عيد ميلاده الستين. وإحنا بنتعشى، رفع كبايته وقال قدام الكل: "نشرب نخب بنتي الهبلة، اللي فاكرة إنها تقدر تشتري الحب بالفلوس".
الكل ضحك. أنا قمت ببرود، ابتسمت، ومشيت من سكات. تاني يوم الصبح، كانت الركنة قدام بيته فاضية، وموبايلي كان هينفجر من كتر الاتصالات.. 108 مكالمة فائتة.
أنا اشتريت العربية دي قبل عيد ميلاده بشهر ونص، وجوايا كنت عارفة إنها فكرة غبية. مش عشان هو مش هيستخدمها، بالعكس، هو بيعشق العربيات دي زي ما في رجالة بتعشق الوجاهة والمنظرة.. بيحبها بصوت عالي وبآراء محدش طلبها أصلاً. بس المشكلة إن الهدايا في عيلتنا مكنتش هدايا، كانت "فخ". لو جبت حاجة بسيطة تبقى بخيل، ولو كبّرت الهدية تبقى بتتنطط عليهم، ولو جبت اللي محتاجينه بالظبط، بيحسسوك بالذنب إنك فاهمهم أوي كدة.
ومع ذلك اشتريتها.
عربية سودا فخمة بفرش جلد، كاملة من كل حاجة، وبنفس الموتور اللي قعد يلمح عليه في كل ليلة قدر وعيد وهو عامل نفسه زاهد ومش عاوز حاجة من الدنيا. دفعت تمنها كاش وخلصت ورقها باسمي عشان أسلمهاله في العشاء. مكنتش فاكرة إن العربية هتصلح اللي انكسر بينا، أنا عندي 36 سنة يعني مش عيلة صغيرة، بس كان في حتة جوايا لسه محتاجة ليلة واحدة بس أحس فيها إن أبويا
العزومة كانت في بيتهم. السفرة كانت مليانة بمال طاب ولذيذ، وأخويا "هاني" قاعد يتمنظر بمكافأة الشغل قبل حتى ما ناكل. أمي كانت لابسة أحلى ما عندها ورسمة الابتسامة اللي بتوريها للناس عشان يبان إننا عيلة مثالية. ولاد عمي وخالتي كانوا بيصوروا كل لحظة عشان الستوري والفيسبوك، وبالونات و "تورتاية" كبيرة مكتوب عليها 60.
لما زقيت علبة المفاتيح قدامه على السفرة، الصمت حل في المكان.
أبويا فتح العلبة، وشاف العلامة، ولثانية واحدة صدقت إني أخيراً عملت حاجة صح. ملامحه اتغيرت، مكنتش حنية، بس كانت صدمة حقيقية.
كلنا خرجنا بره.
العربية كانت واقفة تحت النور بفيونكة حمراء كبيرة. عمي صفر من الإعجاب، وأخويا مكنش مصدق، وحتى أمي بان عليها الانبهار، وده بالنسبة لها قمة الرضا.
أبويا مشي حوالين العربية، بيلمس دهانها بيده وسأل: "دي بتاعتي؟"
هزيت راسي وقلت له: "كل سنة وأنت طيب يا بابا".
رجعنا كملنا العشاء، وكان المفروض أمشي واللحظة لسه حلوة.. بس فضلت قاعدة.
وفي نص الحلو، أبويا وقف ورفع كبايته. الكل سكت وبص له. بص حواليه بابتسامته الناشفة اللي فيها سخرية وقال: "طيب.. نشرب نخب بنتي الهبلة".
الصالة اتجمدت لحظة، وبعدها الكل انفجر في الضحك.
رفع كبايته في وشي وكمل: "فاكرة إنها هتشتري
أخويا كان أكتر واحد بيضحك بصوت عالي. عمتي دارت بوقها وهي لسه مبتسمة. أمي بصت في طبقها، مش كسوفاً منه، لكن كأنها بتشوفني هعمل إيه عشان تقرر هتقف مع مين.
حسيت بكل عين في الأوضة مركزة عليا.
وفجأة، فهمت الحكمة من العربية دي.
مطلعتش هدية.. طلعت درس.
قمت بالراحة، طبقت المنديل، وابتسمت له كأنه لسه قايل معلومة مفيدة جداً، ومشيت من غير ولا كلمة.
تاني يوم الصبح، العربية مكنتش موجودة قدام البيت.
وعلى الساعة 8 الصبح، كان عندي 108 مكالمة فائتة.. يتبع.
فتحت الموبايل وأنا في قمة هدوئي. الـ 108 مكالمة كانوا منهم 90 من أبويا، والباقي من أمي وأخويا هاني. مكلمتهمش، ولا فكرت أرد. قمت عملت لنفسي فنجان قهوة محترم، وقعدت في البلكونة أستمتع بصوت الهدوء اللي غاب عن حياتي سنين.
الساعة بقت 9، لقيت الباب بيخبط خبط جنوني. فتحت، لقيت أبويا واقف، وشه أحمر من العصبية، ومعاه أمي اللي كانت بتفرك في إيدها بتوتر.
أبويا صرخ في وشي أول ما الباب اتفتح: "إيه اللي إنتي عملتيه ده؟ إزاي تعملي كدة؟ إزاي تسحبي العربية من قدام البيت في نص الليل زي الحرامية؟"
بصيت له ببرود وقلت له: "أهلاً يا بابا، اتفضل اشرب قهوة الأول.. وبعدين أنا مأخدتش حاجة مش بتاعتي."
قال لي وهو بيشوح بإيده: "يعني إيه؟ دي هديتي! قدام الناس
ابتسمت نفس الابتسامة بتاعة امبارح وقلت له: "يا بابا، مش إنت قلت إن الحب مبيتشريش بالفلوس؟ فكرت في كلامك ولقيت إن عندك حق جداً. وعشان ميبقاش بيني وبينك أي مصلحة، وعشان أثبت لك إني مش 'هبلة' وبحترم وجهة نظرك، قررت أرجع العربية وأسترد فلوسي.. كدة نقدر نحب بعض 'لله وللوطن' من غير ما الفلوس تفسد أخلاقنا، مش ده اللي إنت كنت عاوزه؟"
أمي دخلت في الكلام وهي بتعيط: "يا بنتي حرام عليكي، أبوكي كان بيهزر، إنتي عارفة طبعه، ليه تكبريها وتخلي شكلنا وحش؟"
بصيت لأمي وقلت لها: "لا يا ماما، ده مكنش هزار، ده كان 'تخليص حق'. هو حب يكسر فرحتي قدام الكل، وأنا حبيت أرجع حقي في هدوء. العربية دي كانت 'عربون محبة'، ولما هو رفض العربون، كان لازم أسحبه."
أبويا كان بيغلي، مش عشان خسرني، لكن عشان خسر العربية "اللي كانت هتخليه ملك المنطقة". بص لي بنظرة كلها غل وقال: "إنتي بنتي عاقة، ومش عايز أشوف وشك تاني."
رديت عليه بمنتهى الأدب: "تمام يا بابا، دي برضه وجهة نظر تُحترم. والفلوس اللي رجعت من العربية، أنا اتبرعت بجزء منها لدار أيتام بنية إن ربنا يهديك، والباقي حطيتهم في حسابي.. عشان 'الهبلة' عرفت أخيراً إن اللي مبيقدرش