هدية البينت حكايات صافي هاني
قفلت الباب في وشهم، ولأول مرة في حياتي، محستش بالذنب. حسيت إني أخيراً بقيت حرة. الفلوس فعلاً مش بتشتري الحب، بس على الأقل بتشتري لك كرامتك وتخليك تقدر تمشي من المكان اللي مبيحترمكش وأنت رافع راسك.
بعد ما قفلت الباب، موبايلي ميسكتش. المرة دي كانت رسايل "واتساب" من الجروب الرسمي للعيلة. أخويا هاني كاتب: "إنتي إزاي تعملي كدة؟ بابا ضغطه عليّ وماما مش قادرة تقف على رجليها.. إنتي معندكيش دم؟"
وعمتي شيريهان بعتت ريسالة صوتية: "يا بنتي العيب مبيطلعش من أهل العيب، وأبوكي مهما قال ده أبوكي، والكلمة اللي قالها كانت ساعة لقمة وهزار، تروحي تفضحيه قدام الناس وتخلي العربية تختفي؟ الجيران بيسألوا كانت واقفة فين وراحت فين!"
فتحت "الجروب" وكتبت رد واحد بس:
"يا جماعة، بابا قال إن الحب مبيتشريش بالفلوس، وأنا صدقته ونفذت كلامه.. شيلت الفلوس عشان يفضل الحب بس. واللي زعلان على منظره قدام الجيران، يروح يشتري له هو عربية على حسابه يوقفهاله قدام البيت.. سلام."
وعملت "غادر المجموعة".
قعدت في هدوء تام. كنت عارفة إن اللي عملته ده هيخليني "البنت الجاحدة" في نظرهم لسنين قدام، بس لأول مرة مكنش فارق معايا. طول عمري كنت بحاول أشتري رضاهم، أشتري كلمة "برافو"
بعد يومين، لقيت خبط هادي على الباب. فتحت لقيت ابن عمي "أحمد"، أكتر واحد عاقل في العيلة. دخل وقعد، وبص لي كتير وبعدين ضحك.
قال لي: "تعرفي إنك عملتي اللي كلنا نفسنا نعمله من زمان؟"
قلت له: "قصدك إيه؟"
قال لي: "أبوكي بقاله يومين قاعد في القهوة، مش عارف يرفع عينه في حد. بس الغريبة إنه لما حد بيجيب سيرتك، بيسكت خالص.. مبيشتمش زي زمان. كأنك باللي عملتيه ده فوقتيه، أو عرفتيه إن بنته 'الهبلة' كبرت وبقى ليها ضوافر."
سكت شوية وبعدين كمل: "العربية كانت فعلًا فخ يا (اسم البطلة)، هو كان عاوز يفضل حاسس إنه صاحب الفضل عليكي، حتى وإنتي اللي شرياها. كان عاوز يكسرك عشان متشوفيش نفسك عليه."
قلت له بوجع: "أنا عمري ما شفت نفسي عليه يا أحمد، أنا كنت بس عاوزه يحبني من غير شروط."
أحمد قام وقف وقال لي: "اللي زيه مبيحبوش غير نفسهم. إنتي دلوقتي معاكي فلوسك، ومعاكي كرامتك، وده أهم من ميت عربية. نصيحة مني.. متصالحيش دلوقتي. سيبيه يجرب طعم الحياة من غير 'خدماتك' وشوفيه هيعرف يحبك كبنت فعلاً، ولا كان بيحب اللي في جيبك."
خرج أحمد، وقفلت وراه الباب. بصيت في المراية وابتسمت.
من يومها، موبايلي ميرنش غير للناس اللي بجد، والحياة بقت أروق بكتير من غير "مظاهر" كدابة.. الفلوس مرجعتش العربية، بس رجعتلي نفسي.
عدى شهر، والحال هدي تماماً. مابقتش أروح بيتهم، ولا بقيت أرد على رسايل اللوم والعتاب. وفجأة، في يوم جمعة، لقيت جرس الباب بيرن. فتحت الشاشة لقيت أبويا واقف لوحده، مكسور شوية، ملامحه مكنتش فيها العظمة والسيطرة بتاعة كل مرة.
فتحت الباب ووقفت على العتبة. مكنتش قاسية، بس مكنتش "سهلة" زي زمان.
بص لي كتير، وبعدين قال بصوت واطي: "مش هتقولي لي اتفضل يا بنتي؟"
وسعت له الطريق ودخل. قعد على الكرسي وبدأ يبص في الشقة كأنه أول مرة يشوفها. سكتنا فترة، وبعدين نطق:
"أنا بعت نصيبي في أرض المدافن اللي ورثتها عن جدي."
بصيت له باستغراب وقلت له: "ليه يا بابا؟ حصل حاجة؟"
طلع شيك وحطه على التربيزة وقال: "دي فلوس العربية.. وزيادة عليها قرشين."
ضحكت بوجع وقلت له: "إنت لسه فاهم الموضوع غلط يا بابا. أنا مكنتش مستنية الفلوس، ولا فارق معايا تمن العربية. أنا كان نفسي تحس بيا."
هز راسه وقال: "عارف.. وعارف إن الكلمة اللي قلتها على العشاء
سكت شوية وكمل: "الناس كلها ضحكت لما قلت الكلمة دي، بس لما مشيتي، الضحك قلب خزي. بقوا يبصوا لي كأني راجل مفترٍ. أنا مش جاي أقولك خدي الفلوس واشتري العربية تاني.. أنا جاي أقولك إن العربية اللي كنتي جايباها كانت غالية أوي، بس كرامتك طلعت أغلى بكتير.. وإني فخور بيكي يا بنتي، بجد."
في اللحظة دي، حسيت إن جبل كان فوق صدري وانزاح. مخدتش منه الشيك، بس قمت عملت له القهوة اللي بيحبها، وقعدنا اتكلمنا لأول مرة في حياتنا كأب وبنته، مش كقاضي ومتهم.
العربية مرجعتش، والفلوس مصلحتش الماضي كله في يوم وليلة، بس اللي حصل كان "قلم" فوق الكل. الدرس وصل: إن الحب في الإسلام وفي طبعنا المصري الأصيل هو مودة ورحمة، مش سيطرة وكسرة نفس.
ومن يومها، بقيت أروح لهم الجمعة، بس المرة دي بروح وأنا واثقة إن مكاني محفوظ بكرامتي، مش بجيبي. وأبويا؟ بقى لما حد يسأله عني، يقولهم بابتسامة حقيقية: "دي بنتي اللي عرفت