مواجهة حماتي بالاوراق حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

في وسط العشاء، حماتي "مديحة" بصتلي ببرود وقالتلي "يا أنانية"، وزقت فواتير المستشفى بتاعتها ناحيتي على الترابيزة.. كانت مستنية كالعادة إني أنكسر وأوافق.
بدل ما أعيط، مديت إيدي في شنطتي وطلعت لها إنذار قضائي رسمي وحطيته قدامها.
ثواني والنفخة الكدابة اللي في وشها اختفت تماماً.
​على ما جه وقت التحلية، كان الموضوع واضح..
أنا كنت "ذبيحة" الليلة.
​العشاء كان في بيتها الكبير.. بيت فخم بس الروح فيه غايبة، واللمة فيه دايماً تقيلة ومصطنعة.
كأنه حرب باردة متغطية بمفارش دانتيل وابتسامات صفراء.
​أوضة السفرة كانت منورة بـ "نجفة" ضخمة، وصينية البط بالمرتة في نص الترابيزة بيطلع منها البخار.
جوزي "علاء" قاعد جنبي ساكت زي التلميذ الخايب.
وعلى رأس الترابيزة..
أمه، مديحة هانم.
هادية، رصينة، ومسيطرة.. كأن الكرسي اللي قاعدة عليه ده عرش بيسمح لها تحكم وتتحكم في خلق الله.
​كانت بتسخن للموضوع طول الليل.
​بدأت بحاجات بسيطة..
تلقيح كلام..
كلام سم

بس متغلف بالأدب.
​إني بشتغل زيادة عن اللزوم..
إني مقصرة في حق البيت..
وإني "ماسكة" على القرش، وبخاف عليه أكتر ما بخاف على أهلي.
​أخته "نهى" كانت بتهز رأسها بالموافقة مع كل كلمة.
وعلاء.. ولا حرف.
​وفي العيلة دي، السكوت مكنش معناه حياد..
السكوت كان معناه إنهم كلهم عليا.
​وفجأة مديحة سابت الفوطة من إيدها، وبصت في عيني مباشرة.
​"عارفة مشكلتك الحقيقية إيه يا نادين؟"
"إنتي أنانية.. وقلبك حجر."
​الهدوء ساد المكان.. الهدوء اللي بيسبق اللحظة اللي الكل مستني فيها يشوفك وإنتي بتتهاني.
​سبت الشوكة من إيدي براحة وقلت:
"نعم؟ مش فاهمة حضرتك تقصدي إيه؟"
​ابتسمت ابتسامة صفراء وقالت:
"في عيلتنا.. لما حد بيقع في أزمة، مبيستخباش ورا الحسابات والقوانين.. بيشيل أهله فوق رأسه."
​أهي جابت من الآخر.
​من كام أسبوع، علاء كان فاتحني إن أمه مزنوقة مادياً بعد العملية اللي عملتها.
في الأول كان تلميح..
بعد كدة بقى ضغط مباشر.
​اقتراحات إني "أفك" قرشين
من تحويشتي..
عشان زي ما هي بتقول: "إيه قيمة القرش لو منفعش الأهل في وقت الشدة؟"
​اللي هي بتسميها "قرشين"..
كان ده شقى عمري وتأميني للزمن.
​فلوس تعبت فيها لوحدي..
على مدار حداشر سنة كفاح.
​نفس الفلوس اللي علاء مكنش مهتم بيها ولا بيسأل عملت كام..
لحد ما عيلته عرفت إنها موجودة.
​وأنا قلت "لأ".
​لا بزعيق ولا بخناق.
قلت "لأ" بمنتهى الثبات.
​مديحة مدت إيدها جنب الطبق، وطلعت ظرف تقيل وزقته ناحيتي.
​"كويس إنك فتحت السيرة دي،" قالتها وهي بتبتسم بنصر، "بما إنك ست بتاعة أرقام وبتحبي الحسابات."
​علاء أخيراً رفع عينه وبص لنا.
​فتحت الظرف..
فواتير مستشفى.. إخطارات دفع.. وكشف حساب بكل مليم مديونة بيه.
​وفي آخر الورقة مكتوب بخط إيدها:
"لو العيلة متهكيش في حاجة، يمكن الأرقام تخليكي تحسي."
​كل العيون كانت عليا.
​كانوا مستنيين دموع.. اعتذار.. أي حجج.
​لكن بدال ده كله..
بصيت للورق ببرود، وبعدين لمديحة، وبعدين لعلاء.
​وبكل هدوء مديت إيدي في
شنطتي.
​طلعت ورقة رسمية متوقعة ومختومة، وحطيتها قدامها.
​وقلت بصوت واطي ومسموع:
"فعلاً.. الأرقام هي السبب اللي خلاني أجيب الورقة دي معايا النهاردة."
​ملامحها فضلت ثابتة لثانية واحدة..
لحد ما قرت اسم "المُرسل" في أول الورقة.
​وفجأة..
كل الثقة دي اتبخرت، ووشها بقى لونه أصفر زي الكركم.
​.
مديحة فضلت بحملق في الورقة وهي مش مصدقة، وكأنها شافت عفريت. الورقة دي كانت "دعوة محاسبة وتقسيم تركة" مرفوعة ضدها من إخوات جوزها الله يرحمه، ومعاها مستندات تثبت إنها كانت واكلة حقهم في الميراث السنين اللي فاتت دي كلها.
​الصمت المرة دي كان مختلف.. كان تقيل لدرجة إنك تسمع صوت نَفَس مديحة اللي بدأ يعلى.
​"إيه ده؟" سألت بصوت مهزوز وهي بتبص لعلاء اللي كان قاعد مش فاهم حاجة.
​رديت ببرود وأنا باخد بق مية:
"دي الأرقام الحقيقية يا طنط. حضرتك كنتِ بتطالبي بفلوس الطوارئ بتاعتي عشان تسددي ديون، والديون دي أصلاً ناتجة عن إنك كنتِ بتصرفي من فلوس مش حقك،
ودلوقتي إخوات حمايا عرفوا ورفعوا قضية.. والمبلغ المطلوب منك يسد عين الشمس."

تم نسخ الرابط