مواجهة حماتي بالاوراق حكايات صافي هاني
نهى أخته قامت وقفت: "إنتي إزاي تعملي كدة؟ إنتي جاية بيتنا عشان تخربي حياتنا؟"
بصيت لها بمنتهى الثقة وقلت:
"أنا مخربتش حاجة. أنا بس حطيت الأرقام في مكانها الصح. حضرتك كنتِ بتكلميني عن الأصول والواجب.. والأصول بتقول إن اللي ياكل حق يتيم أو يورط ابنه في ديون عشان يداري على غلطه، ميبقاش له حق يتكلم عن 'العيلة'."
مديحة وشها جاب ألوان، وبصت لعلاء وقالتله بكسرة مصطنعة: "شايف يا علاء؟ شايف مراتك بتعمل في أمك إيه؟"
علاء بص للورق، وبعدين بصلي، ولأول مرة في حياته مكنش السكوت علامة رضا.. كان سكوت الصدمة.
قلت لعلاء وأنا بقوم ألبس شنطتي:
"علاء، أنا عمري ما كنت أنانية. أنا كنت بحمينا من مركب غرقانة حضرتك كنت عايزني أنط فيها بمزاجي. العشاء كان جميل يا طنط، والبط طعمه تحفة.. بس يا خسارة، الأرقام مابتكدبش."
خدت شنطتي ومشيت، وسبت ورايا بيت "مديحة هانم" وهو بيتهد من جواه، مش بالزعيق، لكن بالحقيقة اللي مكنش حد فيهم عايز يواجهها.
مديحة فضلت بحملق في الورقة وهي مش مصدقة، وكأنها شافت عفريت. الورقة دي كانت "إنذار قضائي برد مبالغ مستولى عليها".
الصمت المرة دي كان مختلف.. كان تقيل لدرجة إنك تسمع صوت نَفَس مديحة اللي بدأ يعلى، واللون الأحمر اللي في وشها
"إيه ده يا نادين؟" سألت بصوت مهزوز وهي بتبص لعلاء اللي كان قاعد مبرق ومش فاهم حاجة.
رديت بمنتهى البرود وأنا باخد بق مية:
"دي الأرقام الحقيقية يا طنط.. حضرتك كنتِ بتطالبي بفلوس الطوارئ بتاعتي عشان تسددي ديون المستشفى، بس الورقة دي بتقول إن المستشفى أخدت حقها تالت ومتلت من التأمين بتاع حمايا الله يرحمه من شهر فات.. والوصلات اللي في الظرف بتاعك دي "صور كربونية" ملهاش قيمة لأن الأصل مدفوع فعلياً."
نهى أخته قامت وقفت وشخطت: "إنتي بتفتشي ورا ماما؟ إنتي إزاي تتجرئي وتعملي كدة في بيتنا؟"
بصيت لها بمنتهى الثقة وقلت:
"أنا مفتشتش.. أنا لما حد بيتهمني في شرفي المادي ويقول عليا أنانية، لازم أدافع عن نفسي بالأدلة. الورقة اللي قدام مديحة هانم دي بلاغ للنيابة بتهمة النصب والابتزاز، لأنها كانت عايزة تاخد تحويشة عمري عشان تحطها في حسابها الخاص، مش عشان عملية ولا مستشفى."
مديحة وشها جاب ألوان، وبصت لعلاء وقالتله بتمثيل وكسرة: "شايف يا علاء؟ شايف مراتك بتخون ثقة العيلة وبترميني بالباطل إزاي؟"
علاء مسك الورق بإيده، وبدأ يقرأ.. ولأول مرة في حياته مكنش السكوت علامة رضا، كان سكوت الصدمة والانهيار. بص لأمه وقال بذهول: "يا أمي.. الكلام ده صح؟
قمت وقفت، لبست شنطتي، وبصيت لهم كلهم بنظرة أخيرة:
"في العيلة دي يا مديحة هانم، زي ما بتقولي، المفروض مبيكونش فيه حسابات.. بس لما العيلة تتحول لنصابين بيخططوا يسرقوا اللي شقي وتعب، يبقى القانون هو اللي يتكلم."
بصيت لعلاء وقلتله بكلمة واحدة: "أنا مستنياك في البيت.. لو لسه عندك نية تسمي البيت ده بيت."
خدت شنطتي ومشيت، وسبت ورايا صينية البط تبرد، وعيلة كاملة بتنهش في بعضها بعد ما القناع وقع.. والحقيقة كانت أمّ من أي "كلام سم" رموه عليا طول الليل.
نزلت السلم وقلبي بيدق، بس مش خوف.. ده كان نبض حد أخيراً اتنفس بعد ما كان مخنوق. ركبت عربيتي وقعدت ثواني في الضلمة، بصيت على شباك الصالة اللي لسه منور، وشفت خيال "علاء" وهو قايم ومنفعل، وشفت "مديحة" وهي بتلطم وتعمل دور الضحية المعتاد.
دورت العربية ومشيت.
بعد ساعة، الباب اتفتح. دخل علاء، كان شكله مبهدل، كأنه طالع من خناقة شوارع، قعد على الكنبة ودفن راسه بين إيديه.
"ليه يا نادين؟" قالها بصوت مكسور. "كان ممكن نحلها ودي.. ليه الفضايح دي وسط أهلي؟"
قربت منه ووقفت قدامه بمنتهى الثبات:
"حل ودي؟ أمك كانت بتغتال سمعتي على السفرة يا
رفع راسه وعينه حمرا: "بس دي أمي.. مهما عملت."
رديت عليه بكلمة واحدة هزت الأوضة:
"وأنا مراتك.. اللي المفروض تكون سندها. لما كانت بتنهش فيا، كنت إنت فين؟ كنت قاعد بتاكل بط وساكت. سكوتك ده هو اللي خلاني أطلع الورقة دي. لو كنت وقفت وقلت لها 'عيب يا أمي، نادين شالتنا كتير'، مكنتش وصلت للنيابة."
سكت.. ملقاش رد.
طلعت شنطة هدوم كانت جاهزة من يومين، وحطيتها قدامه.
"دي هدومك.. روح اقعد عند مديحة هانم كام يوم. فكر كويس في 'الأرقام' اللي أمك بتحبها، وشوف لو كنت عايز تعيش مع 'ست أنانية' زيي، ولا ترجع لحضن العيلة اللي مبيجمعهاش غير المصلحة."
"إنتي بتطرديني؟" سأل بذهول.
"لأ، أنا بديك فرصة تختار.. يا راجل بجد بيعرف يحمي بيته، يا ابن أمه بيفضل طول عمره "كومبارس" في مسرحياتها. القرار عندك."
علاء أخد شنطته وخرج وهو مش قادر يبص في عيني. قفلت الباب وراه بالمفتاح، ولأول مرة من سنين، البيت كان هادي.. هدوء نضيف، ملوش طعم السم.
نمت ليلتها وأنا مرتاحة.. لأن الست اللي بتبني نفسها بـ "عرقها" في حداشر سنة، مبيكسرهاش "طقم
النهاية.