صدمة الاب

لمحة نيوز

بقالي سنين أهلي مطنشين نجاحي، وبيرسموا إزاي يقلبوني في قرشين عشان خاطر عيون أختي الدلوعة. عشان كدة، قررت في حفلة تخرج أخويا الغلبان اللي محدش بيفتكره أهديه شقة تمليك. رد فعل أبويا كان صدمة الفلوس دي كانت أولى بيها تسدد ديونها!
أبويا قال الجملة دي قدام تمانين واحد، تحت الصيوان اللي كنا عاملينه بمناسبة التخرج، وشه كان أحمر وصرخته غطت على سقفة الناس.
الفلوس دي كان المفروض تسدد ديون أختك!
لثانية واحدة، الزمن وقف ومحدش نطق.
لا أخويا الصغير ياسين، اللي كان واقف ببدلة التخرج ومفاتيح الشقة في إيده، ولا أمي اللي اتصنمت جنب طرابيزة التورتة والطبق والشوكة البلاستيك في إيدها، ولا حتى أختي ليلى المدللة، اللي كانت لسه بتضحك من دقيقتين ودلوقتي وشها قلب كأن حد قطع الورقة اللي كانت راسمة فيها حياتها.
وأنا؟
كنت واقف في عز حر شهر ستة، ساند إيدي على الكرسي، وبقول لنفسي أخيراً نطقتها وطلعت اللي في قلبك.
الحفلة كانت في جنينة بيتنا. زينة بالأزرق والفضي مالية السور بمناسبة تخرج ياسين من الثانوي. صواني الأكل مرصوصة، وصيوان متأجر، والقرايب ملمومين حوالين تلاجات الحاجه الساقعة، والجيران عاملين نفسهم مش سامعين وهمّ واكلين الهرج والمرج بودانهم. نوع من الحفلات العائلية اللي كله بيمثل فيها إنه بيحب التاني وهو في الحقيقة عمال يقيم فيه من تحت لتحت.
ياسين كان لسه مخلص فتح الأظرف والهدايا الصغيرة، لما قدمتله آخر علبة.
مكتنش مبهرجة، ولا عليها فيونكة كبيرة، ولا عملت خطاب عصماء. مجرد علبة قطيفة صغيرة فيها

مفتاح، ومعاها ظرف فيه عقد وعنوان.
في الأول مفهمش.
بص لي، وبعدين بص للظرف، وبعدين رجع بص للمفتاح تاني.
إيه ده؟ سأل باستغراب.
قلتله ده بتاعك.. ملكك.
العنوان كان لشقة في منطقة هادية. شقة تمليك، متوضبة، ونازلة من غير مليم مديونية لأني دافع تمنها كاش ومسجلها باسمه الأسبوع ده. مش قصر، ولا منظرة، هي مجرد سكن حقيقي، مطبخ نضيف، ومكان يلمّه بعيد عن وجع دماغ الإيجارات، وبعيد عن بيت كان دايمًا بيحسسه إنه زيادة عشان هو هادي ومبيطلبش.
بص لي وكأنه مش قادر يتنفس من الفرحة.
أبويا، الحاج مرسي، خطف الورق من إيده قبل ما ياسين حتى يفتحه. قرأ العنوان مرة واتنين، وملامحه كلها اتغيرت.
الشقة دي؟
أيوه.
أنت اشتريت له شقة؟
أيوه.
وهنا.. بركان وانفجر في وشي.
الفلوس دي كانت أولى بيها تسدد ديون أختك!
وشاور بصباعه على ليلى، اللي كانت واقفة مربعة إيدها وبوزها شبرين، الحركة اللي بتعملها من وهي عيلة لما الدنيا متمشيش على هواها. ديونها كانت هي القضية القومية للعيلة، دايمًا بيجيبوا سيرتها كأنها كارثة طبيعية ملهمش يد فيها، مش نتيجة ست سنين في جامعة خاصة، وتغيير تخصص مرتين، وماجستير مكملتوش، وشقة في وسط البلد أهلي صمموا إنها مهمة عشان المظاهر والبرستيج.
بصيت لأبويا وحسيت براحة غريبة جوايا.
سنين وهمّ مطنشين نجاحي. لما فتحت شركتي، قالوا حاجة لطيفة. لما كسبت أول مبلغ كبير، قالوا ضربة حظ. لما اشتريت بيتي، سألوني مش كتير عليك التبذير ده؟. بس كل ترقية، وكل استثمار، وكل قرش كنت بحوشه وتعبت فيه، كان في خيالهم مجرد
حصالة هتنقذ ليلى في الآخر.
ليلى وبس.
لا فكروا في ياسين.
ولا فكروا فيا.
ودلوقتي، وقدام العيلة كلها، أبويا أخيراً اعترف باللي كانوا ناويين يعملوه طول الوقت.
مبكنوش بيطلبوا.
ولا بيتمنوا.
دول كانوا بيخططوا.. ياخدوا اللي بنيته وتعبت فيه، ويدوهولها بدم بارد.
أبويا فضل واقف مكانه والشرار بيطلع من عينه، والسكوت اللي في المكان كان يرعب. المعازيم بدأت تبص لبعضها وتوشوش، وأنا كنت حاسس إن جبل كان شايله على كتافي ونزلتُه في اللحظة دي.
إنت واعي للي بتقوله يا بابا؟ سألته بهدوء استفزه أكتر.
واعي للي بقوله؟ صوته زاد حدة، أختك غرقانة في القسط والديون، وبدل ما تقف جنبها وترد جميلنا، رايح ترمي الفلوس في شقة لعيِّل لسه مخلصش ثانوي؟ هي دي الأصول؟
بصيت ل ليلى لقيتها بدأت تعيط بتمثيل متقن، ونظراتها ليا كانت كلها لوم، كأني أنا اللي سرقت مستقبلها مش هي اللي ضيعته بالمنظرة الكدابة. أمي سابت الطبق من إيدها وقربت وهي بتحاول تلم الموضوع يا ابني، أختك بكرة هيتحجز على عفشها، والقرشين دول كانوا هيفكوا كربها.. أخوك لسه قدامه العمر طويل ومسيره يتجوز ويجيب شقة.
ياسين كان واقف عينه في الأرض، إيده كانت بتترعش وهي ماسكة المفاتيح، وكأنه حاسس بالذنب إنه خد حاجة مش بتاعته. قمت مقرب منه، حطيت إيدي على كتفه وضغطت عليها عشان أطمنه، وبصيت لأبويا وقلت ياسين مش هيفضل مستني العمر الطويل عشان يحس إنه موجود في العيلة دي. أنا بنيت نفسي من الصفر ومن غير مساعدة حد، وكنت دايمًا بسمعكم بتقولوا إن ليلى هي واجهة العيلة ومصاريفها
استثمار.. أديكم شوفتوا نتيجة الاستثمار ده إيه.
أبويا كان هيهجم عليا لولا إن عمي مسكه، فكملت كلامي وأنا ببص في عينيهم واحد واحد أنا مش حصالة يا حاج مرسي، والفلوس اللي تعبت فيها مش حق مكتسب لأي حد يفشل. الشقة دي باسم ياسين، وعقدها اتسجل خلاص، ولو فاكرين إنكم هتقدروا تضغطوا عليه عشان يتنازل عنها لليلى.. فالمحامي بتاعي عنده تعليمات واضحة.
ليلى صوت عياطها علي إنت طول عمرك بتكرهني يا أخويا! إنت عايز تشمت فيا الناس؟
ضحكت بمرارة وقلت لها لا يا حبيبتي، أنا مش شمتان، أنا بس بطلت أصلح غلطاتك. عيشي حياتك باللي معاكي، واتعلمي إن السند مش معناه إنك تمصي دم اللي حواليكي.
سحبت ياسين من وسطهم وقلت له يلا بينا، نروح نتفرج على بيتك الجديد، وسيبهم يكملوا الحفلة براحتهم.
وإحنا خارجين من بوابة الجنينة، سمعت صوت أبويا وهو بيحلف إنه مش هيدخلي بيت تاني، بصيت ورايا لآخر مرة وشوفتهم وهمّ ملمومين حوالين ليلى يطبطبوا عليها، في حين إن مفيش حد فيهم فكر يبارك لياسين على تخرجه.. وفي اللحظة دي بس، اتأكدت إن اللي عملته هو أصح حاجة عملتها في حياتي.
ركبت أنا وياسين العربية، وهو لسه مش مستوعب اللي حصل. كان باصص لمفتاح الشقة كأنه ماسك حتة من الجنة، وفي نفس الوقت عينيه فيها كسرة من اللي سمعه.
أنا آسف يا أخويا.. بوظت لك فرحتك، قالهالي بصوت واطي وهو باصص من شباك العربية.
لفيت الدريكسيون وبصيت له بابتسامة صافية بالعكس يا ياسين، النهاردة أول يوم في فرحتك الحقيقية. الشقة دي مش بس سكن، دي أمانك من غدر الأيام ومن
طمع أقرب الناس ليك. متخليش كلامهم يهزك، إنت
تم نسخ الرابط