لقاء الاب مع احفاده حكايات صافي هاني
ريحة المخبز كانت ترد الروح.. زبدة على قرفة على ريحة عيش لسه طالع من الفرن.
مكان من النوع الشيك اللي الناس بتروحله عشان المزيكا الهادية والقهوة اللي تمنها يحرق الدم، والمعجنات اللي لسه مالحقتش تبرد.
وفي وسط كل الدفا ده، كان واقف عيل سريح نحيف، ميكملش تمان سنين، شايل طفلة رضيعة بتعيط على صدره.
الجاكيت اللي لابسه كان واسع عليه قوي، وفستان البنت الصغير كان متبهدل ومطين من تحت.. الاتنين كان باين عليهم الهلاك.
البنت خبت وشها في كتفه وهي بتأن أنا جعانة..
الولد بلع ريقه بصعوبة وقرب من فترينا الحلويات، وبص للست اللي واقفة ورا الكاونتر بنظرة فيها أمل مكسور، كأنه عارف إن الرد هيوجعه.
سألها بصوت واطي عندكم عيش بايت من امبارح؟ بتبيعوه أرخص شوية؟
البنت اللي شغالة ترددت لحظة.. لثانية واحدة بان على وشها إنها عايزة تساعد، بس بسرعة رجعت لوش رسميات الشغل.
قالتله إحنا مابنبعش بواقي هنا.
الولد وقف مكانه.. الرد ده نزل عليه أصعب من الشتيمة، لا جادل ولا اتحايل ولا حتى بان عليه الغضب.
كل اللي عمله إنه نزل عينه في الأرض وضم البنت الصغير لقلبه أكتر وهي عمالة تصرخ على كتفه.
على ترابيزة صغيرة جنب الشباك، كان فيه راجل عجوز لابس بدلة سوداء شيك، نزل فنجان القهوة من إيده بالراحة.
قام وقف، وصوت الكرسي وهو بيتجر على الأرض كان عالي لدرجة إن كل اللي في المحل انتبهوا.
مشى لحد الكاونتر وبكل هدوء وثقة قال لمي لي كل اللي في المحل.
البنت اللي شغالة بربشت بعينيها يا فندم؟
رد بصرامة كل حاجة.
المحل كله سكت.. البنت وقفت مذهولة لثواني وبعدين بدأت تجري وتلم العيش والمعجنات من على الرفوف.
الراجل قرب من الأطفال.. وقال بحنية تعالوا معايا.
الولد خد خطوة لورا وخبي البنت في حضنه أكتر، نظرة عينه اتغيرت.. مكنتش نظرة شكر، كانت نظرة شك وخوف.
سأله ليه؟
الراجل فتح بقه عشان يتكلم، وفجأة اتسمر مكانه.
عينه جت في وش البنت الصغيرة.. في الأول عينها، وبعدين رسمة بوقها، ولما البنت لفت راسها وهي بتعيط، شاف وحمة صغيرة على شكل هلال عند طرف جبهتها.
ملامحه كلها اتفتت.. صدمة على وجع على ذهول.
رفع إيده وهي بتترعش ناحية وشها، بس وقف قبل ما يلمسها، كأنه خايف من الحقيقة اللي بدأت تتشكل في دماغه.
الولد لاحظ، وصوته بقى حاد في إيه؟
الراجل بص للولد وكأنه نسي يتنفس، وسأله هي اسمها إيه؟
الولد تردد وبص للراجل، وبعدين للبنت اللي شغالة، وبعدين للباب كأنه بيدور على مخرج.. وفي الآخر رد
ليلي.
وش الراجل بقى أبيض زي الورقة.
الكلمة وقفت في زوره وسأل وأمك؟
الولد نشف في مكانه.. السؤال ده كان بيوجعه قوي، بص للأرض وبعدين بص للراجل اللي لابس بدلة، والمكان فجأة بقى ضيق وصامت بشكل مرعب.
همس الولد في الآخر ماتت.
عين الراجل اتملت دموع في لحظة ماتت؟ إزاي؟
فَك الولد اتهز وهو بيقاوم دموعه، وخرج الكلام بالعافية تعبت في الشتا وماتت.
الراجل العجوز غمض عينه وكأن فيه جبل انهد جواه، الطفلة كملت عياط وهي متبتة في رقبة الولد.
الراجل بص لها تاني، وبعدين للولد.. ودلوقتي بس شافها.
ماشافش بس الجوع والوسخ والخوف.. شاف بنته في ملامحهم هما الاتنين.
البنت اللي شغالة وقفت مكانها، حتى هي حست إن اللي بيحصل ده أكبر بكتير من مجرد بيع وشرا.
الراجل حاول يثبت صوته وسأل أمك كان اسمها إيه؟
الولد بص له لثواني طويلة، ورد إلينا.
رجلين الراجل مكنتش شايلاه.. إلينا، بنته اللي طردها من حياته من خمس سنين عشان حبت مزيكا فقير هو مكنش راضي عنه.
بنته اللي صرخت في وشها وهي ماشية بكرة يبقى معاك كل الفلوس دي، ومش هتلاقي حد يحبك.
ماشفهاش من ساعتها.
إيده بدأت تترعش قدام الكل، والولد شاف ده، وحاجة في ملامحه اتغيرت.. مش
بالراحة وبحذر، الولد عدل البنت على وسطه وطلع من جيب الجاكيت الواسع ظرف مطبق، قديم ومتهالك من كتر الشيل.
فضل ماسكه لثواني وقال وهو بيهمس أمي قالتلي.. لو جوعنا قوي، ولو لقيت راجل بيبص لليلي كأنه عارفها.. أديله ده.
الراجل بص للظرف.. وعلى الوش كان مكتوب بخط باهت أربع كلمات
لبابا.. حبيبي.
أصابعه كانت بتترعش وهو بياخده، والمحل كله كان كاتم نفسه.
فتح الرسالة، وعينه جت على أول سطر، ووشه انهار تماماً..
لأن المكتوب كان يا بابا، لو بتقرأ الكلام ده، يبقى الجوع وصل لولادي قبل ما يوصل كبريائك.
الراجل مكنش قادر يقف على رجله، ساند على الكاونتر وإيده بتترعش والورقة بتتهز في إيده.. كمل قراية والدموع محبوسة في عينه بالعافية
أنا مش خايفة من الموت يا بابا، أنا خايفة عليهم من الدنيا.. خايفة يمشوا في طريق ميعرفوش يرجعوا منه، زي ما أنا مشيت ومقدرتش أرجعلك. لو شفتهم، افتكر إن ذنبهم الوحيد إنهم ولادي.. أحفادك اللي ملحقوش يعرفوا إن جدهم كان بيحب النظام أكتر من أي حاجة، حتى أكتر مني.
الراجل رفع عينه وبص للولد.. الولد كان واقف شامخ رغم هدومه المقطعة، ملامحه فيها عزة نفس غريبة مش موجودة عند عيال في سنه.
الراجل سأل بصوت مخنوق إنت اسمك إيه؟
الولد رد
الراجل ابتسم بوجع.. ياسين، على اسم جده الكبير.