طليقي يكذب حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

هو اللي زقني من على السلم عشان مسمعتش كلامه.. ولما وقعت قعد يزعق لي ويقولي لو نطقتي بكلمة مش هشوفك تاني.
في اللحظة دي الباب اتفتح.. أشرف كان واقف، والشنطة في إيده، وعينه بطلع شرار.
نسيتي الشاحن برضه؟ ولا كنتي بتسمعي قصة قبل النوم؟
قمت وقفت قدامه، لأول مرة مكنتش خايفة. كنت زي القطة اللي بتدافع عن عيالها. أنا شوفت الكاميرات يا أشرف.. شوفت الساعة 3 الفجر وشوفت التهديد، والشرطة زمانها في الطريق.
وشه اتقلب، ملامحه اللي كانت هادية اتحولت لوحش. قرب مني وهو بيجز على سنانه انتي فاكرة إن الورقة دي هتطلعك كسبانة؟ أنا هعرف أدمرك إزاي.
لسه بيمد إيده، لقيت باب الأوضة اتفتح بقوة.. الممرضة باتريشيا ومعاها اتنين من أمن المستشفى وظابط شرطة.
الممرضة بصت لي وقالت أنا بلغت من أول ما شفت نظرة الولد.. الفيديو متسجل ومحفوظ عندنا.
الكلبشات اتقفلت في إيده وهو بيصرخ ويهدد، وأنا كنت حاضنة ياسين بكل قوتي، بسد ودنه عشان ميسمعش صوته وهو بيتحبس.
لما الفجر طلع، كنت قاعدة في جنينة المستشفى، ياسين نايم في حضني بسلام لأول مرة من سنين. الممرضة باتريشيا قربت مني وادتني كوباية شاي وقالت لي الحق مبيضيعش يا بنتي، بس محتاج قلب شجاع يشوفه.

بصيت لابني وحلفت في سري.. إن من النهاردة، مفيش خوف هيدخل بيتنا تاني. الحكاية مخلصتش عند الكسر، الحكاية بدأت لما الكذب انكسر وبان النور.
بعد ما أشرف اتمسح به الأرض واتجرجر في الكلبشات قدام المستشفى كلها، كنت فاكرة إن الكابوس خلص.. بس الحقيقة إن الكابوس كان لسه بيبدأ، بس المرة دي في ساحات المحاكم.
ياسين فضل خايف ينام لوحده لأسابيع، كان بيصحى يصرخ ويقول هيخدني منك يا ماما.. هيخبيكي عني. كنت باخده في حضني وأنا قلبي بيتقطع، بس المرة دي مكنتش بعيط ضعف، كنت بعيط قهر على السنين اللي ضاعت وأنا فاكرة إن السكوت هو اللي هيحمي ابني.
المحامي بتاعي قال لي يا ميا، أشرف مش سهل، ده جايب أكبر محامين وبيقول إن الفيديو ده متفبرك، وإنك أنتي اللي ضغطتي على الولد عشان يقول كدة عشان تخلصي منه وتاخدي الحضانة الكاملة.
في يوم الجلسة، كنت واقفة في الطرقة، وشوفت أشرف داخل، لابس بدلة شيك وكأنه عريس، مفيش على وشه أي علامة ندم. قرب مني وهمس في ودني وهو بيعدي الفيديو هيتطعن فيه.. وياسين هيرجع لبيتي، وأنتي اللي هتحلمي تشوفيه.
دخلنا القاعة، وجيه وقت شهادة ياسين. القاضي، راجل وقور وشعره أبيض، طلب إن ياسين يتكلم معاه في المكتب لوحدهم
عشان ميبقاش تحت ضغط.
نص ساعة مرت وكأنها دهر. أشرف كان قاعد واثق في نفسه، بيلعب في ساعة إيده الغالية ومبتسم للمحامي بتاعه.
لما خرج القاضي، كان وشه متغير. بص لأشرف بصه خلت ركبي أنا تخبط في بعضها.
القاضي قال بصوت هز القاعة بعد الاستماع لشهادة الطفل، والاطلاع على تقرير المستشفى وشهادة الممرضة، ومعاينة تسجيلات الكاميرات اللي ثبتت صحتها بيقين لا يدع مجالاً للشك...
أشرف بدأ وشه يصفر، والابتسامة اختفت.
القاضي كمل المحكمة قررت مش بس إسقاط حق الرؤية والحضانة عن المدعى عليه، بل وإحالته للنيابة العامة بتهمة الاعتداء العمدي على طفل والتهديد وترويعه.
في اللحظة دي، سمعت صوت ياسين من ورايا وهو بيقول بصوت عالي ماما! أنا قلت له كل حاجة.. قلت له على السلم، وعلى الاسكوتر، وعلى كل مرة كان بيخوفني فيها.
جريت عليه وخدته في حضني، وأشرف كان بيحاول يزعق ويقول ده كدب! بس العساكر مدهوش فرصة.
خرجنا من باب المحكمة، الشمس كانت طالعة قوية ومالية الدنيا. ياسين بص لي وقال ماما، هو أنا ينفع ألعب كورة لما دراعي يخف؟
ضحكت والدموع في عيني وقلت له تلعب كورة، وتطير طيارات ورق، وتعمل كل اللي نفسك فيه.. مفيش حد في الدنيا هيقدر يكسر بخاطرك
تاني يا قلب ماما.
دي مكنتش مجرد نهاية قصة وجع، دي كانت بداية حياة جديدة، حياة مفهاش إريك ولا أشرف ولا خوف.. حياة مفيهاش غيري أنا وابني، والحرية اللي دفعنا ثمنها غالي، بس كانت تستاهل كل لحظة صبر.
بعد شهور من الجلسة دي، حياتنا اتغيرت تماماً. ياسين مابقاش الطفل اللي بيخاف من خياله، بالعكس، الجبيرة اللي كانت في إيده اتفكت، ومعاها اتفكت القيود اللي كانت على روحه. بدأ يرجع يضحك بصوت عالي، وبدأنا نبني حياتنا من جديد، بعيد عن أي تهديد.
في يوم، كنت قاعدة معاه في النادي، وشوفته بيجري وبيلعب مع صحابه، وفي إيده الكورة اللي كان بيحلم بيها. مكنتش مصدقة إننا وصلنا للمرحلة دي من السلام النفسي. الممرضة باتريشيا لسه على تواصل معايا، وبقت زي فرد من العيلة، كانت دايماً تقول لي الضربة اللي متموتش تقوي، وأنتي يا ميا بقيتي أقوى بكتير.
أشرف أخد جزاءه، والقانون أخد مجراه، وأنا اتعلمت درس عمري إن غريزة الأم مابتكدبش، وإن الستر مش في السكوت على الأذى، الستر في إنك تحمي ضناكي وتواجهي الدنيا علشانه.
قفلنا الصفحة القديمة بكل وجعها، وفتحنا صفحة جديدة، مفهاش غير ضحكة ياسين، وأمان بيتنا، ومستقبل بنرسمه سوا بإيدينا.. مستقبل ملوش
سقف، ومفهوش كلمة خوف.
تمت.

تم نسخ الرابط