خيانة صديق حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

عارفة من يوم ما اتجوزت ماجد إن أمه هي الكل في الكل، بس مكنتش فاكرة إن الموضوع واصل لدرجة المرض. الحاجة ثريا مش مجرد أمه، دي كلمة منها توقفه انتباه، أول ما تليفونه يرن واسمها يظهر، تلاقي ضهره اتفرد وصوته واطي وناعم، كأنه تلميذ خايف من العقاب.
عشنا ٦ سنين في هدوء نسبي لسبب واحد؛ إن بين بيتنا وبين بيتها محافظتين وسكة سفر.. البُعد كان هو الحيطة الوحيدة اللي ماجد مقدرش يهدها.
زياراتها لينا كانت عاملة زي الكبسة، تدخل من الباب وعينيها بتدور على غلطة. تلمس طرف الدولاب بضفرها وتقول بنبرة سم التراب مابيسكنش غير في بيوت الستات اللي بالها مش في بيتها يا حبيبي، تبص للبس وتقول لسه بتشتري من المحلات الشعبي دي؟ والله فيكي طبع القناعة. وماجد؟ ماجد كان بيكتفي بضحكة باهتة، ضحكة واحد مستسلم تماماً.
المنفى في الأوضة اللي فوق السطوح
أنا جاية أقعد عندكم أسبوع كامل، عندي شوية مصالح هخلصها، ده كان صوت الحاجة ثريا في التليفون وهي بتأمر مش بتستأذن. قلبي وقع في رجلي، أسبوع من السم ده كتير عليا، بس الصدمة الحقيقية كانت في اللي جاي.
سمعتها بتقول بماكر بس يا ماجد، خلي نسمة تقعد في أي حتة تانية الأسبوع ده.. الأوضة اللي فوق السطوح مثلاً، إنت عارف أنا مبحبش أشارك حد في السكن، وبالذات.. هي.
فضلت مستنية ماجد ينطق، يقول يا أمي ده بيتها، يقول ميصحش. لكنه دخل الأوضة التانية ووطى صوته، وبعد ساعة جالي وعينه في الأرض نسمة، أمي راكبها ميت عفريت، معلش.. ممكن تقعدي في أوضة السطوح الأسبوع ده؟ ده أنا هفرشهالك فرش تمام وهجيبلك دفاية ومعطر جو، اعتبريها يا ستي تغيير جو وكأننا بنصيف!
منطقتش، محسيتش غير بحاجة جوايا انكسرت، كسر نضيف وموش

صوت. فهمت إن ماجد مش بس عايزني أبعد، ده عايزني أختفي، عايزني أبقى زي الحرامية في بيتي، أتسلل عشان أدخل الحمام أو أشرب عشان خاطر سيادة الحاجة متتضايقش.
وافقت، بس بشرط؛ إنه يحجزلي في فندق محترم أبعد فيه عن وشهم خالص. وافق بسرعة البريد عشان يخلص. كنت فاكرة إنه هيوديني مكان يليق بيا، لكن اتفاجئت إنه حجزلي في لوكاندا تعبانة ورا مجمع مواقف الأقاليم.
الأوضة ريحتها دخان سجاير قديم وكمكمة، والستاير مقطوعة، ونور اليافطة اللي بره عمال يطفي وينور في وشي زي الصداع النصفي. في الليلة دي، وأنا سامعة صوت كلاكسات الميكروباصات وصريخ السواقين تحت، فهمت قيمتي الحقيقية عند ماجد.. أنا كنت مشكلة وحلها بأرخص تمن ممكن
تاني يوم الصبح، وأنا بلم هدومي عشان أمشي من الخرابة دي وأرجع بيتي وأحط حد للمهزلة دي، لقيت رسالة مبعوتة لماجد على تليفونه القديم اللي كان ناسيه معايا في الشنطة.. الرسالة كانت من أمه وبتقول عفارم عليك يا واد يا ماجد، المحامي استلم العقود وخلال يومين البيت كله هيبقى باسمي، وساعتها ميبقاش ليها مكان حتى فوق السطوح.. ارمي الورقة اللي في الدرج قبل ما تحس بحاجة.
إيه هي الورقة اللي في الدرج؟ وماجد ناوي على إيه؟ ده اللي هنعرفه المشهد الجاي.
بينما كنت واقفة في نص الأوضة المكتومة ببرودة الجو وريحة الكمكمة، وتليفون ماجد في إيدي بيرعش مع كل كلمة قريتها في الرسالة، الدنيا لفت بيا. المحامي، العقود، البيت هيبقى باسمي.. الكلمات كانت زي الطلقات اللي بتخرم في قلبي.
فتحت الدرج اللي ماجد دايماً بيفضل قافله بمفتاح في مكتبه الصغير اللي كان فوق السطوح، وبحركة متهورة مني، كسرت القفل بسكينة فاكهة كانت محطوطة جنبي.
في الدرج،
مكنتش فيه ورقة واحدة، كان فيه ملف كامل.
سحبت الورق وأنا إيدي بتترعش، وبدأت أقرا.. كانت تنازل بيع وشراء ممضي وبصوم عليه باسمي! ماجد استغل التوكيل العام اللي كنت عاملاهوله عشان يخلص إجراءات الشقة ومضى مكاني على تنازل لبيتنا اللي دفعنا فيه شقا عمري وورثي من أبويا، لصالح أمه.
وفجأة، سمعت صوت خبط عالي على الباب.
جمدت في مكاني.. مين اللي هيجيلي هنا في الوقت ده وفي المكان المقطوع ده؟
قمت براحة وبصيت من العين السحرية، ولقيت الحاجة ثريا واقفة بره، ولابسة عبايتها السوداء وشايلة في إيدها شنطة صغيرة، وعلى وشها ابتسامة نصر مرعبة.
فتحت الباب ببطء، وقبل ما أنطق بكلمة، زقتني ودخلت وقفلت الباب وراها بالمفتاح، وقالت بصوت واطي ومستفز
منورة يا خطافة الرجالة.. كنت فاكرة إنك هتفضلي فوق السطوح؟ لا يا حبيبتي، السطوح ده عالي عليكي أوي.. ماجد دلوقتي تحت رجلي بيعيط عشان أسامحه على السنين اللي قضاها معاكي، والورق اللي في إيدك ده.. بليه واشربي ميته.
وقبل ما أرد عليها، طلعت من شنطتها إزازة صغيرة وفتحتها، وقالت وهي بتقرب مني
عارفة يا نسمة.. الناس هنا في المنطقة دي مابيسألوش عن اللي بيموت مخنوق من ريحة الغاز.. واللوكاندا دي مواسيرها قديمة ومتهالكة، يعني قضاء وقدر.
في اللحظة دي، سمعت صوت سرينة بوليس بتقرب من المكان، ونور الكشافات بدأ يضرب في شباك الأوضة المكسور.
ثريا وشها جاب ألوان وفقدت توازنها، وأنا مسكت الموبايل في إيدي ووريتها الشاشة
أنا مكنتش بقرأ الرسالة وبس يا ثريا.. أنا كنت فاتحة تسجيل لكل كلمة قولتيها من ساعة ما دخلتي، وماجد.. ماجد اللي فاكرة إنه تحت رجلك، هو اللي باعتلي اللوكيشن بتاعك دلوقتي.
ياترى ماجد فعلاً
غدر بأمه ووقف مع مراته؟ ولا دي كانت مجرد لعبة عشان يوقعهم في بعض؟ والورقة اللي في الدرج.. هل هي فعلاً تنازل، ولا فخ تالت؟
ثريا وقفت مكانها مصدومة، ملامح الوش اللي كانت مليانة جبروت اتمحت وبقى مكانها رعب حقيقي. صوت السرينة كان بيعلى ويقرب، والضوء الأحمر والأزرق كان بيرقص على حيطان الأوضة الكئيبة.
قربت منها وأنا كلي ثبات، وقولت لها بصوت واطي ومسموع إنتي كنتِ فاكرة إن ماجد لسه الطفل اللي بتلوي دراعه بكلمتين؟ ماجد غلط، وغلطه كبير، بس لما لقاكي بتسحبي السكينة على رقبته وعلى بيته، فاق.. فاق وعرف إنك مش عايزة مصلحته، إنتي عايزة تملكيه وبس.
الباب خبط خبطات قوية ومنتظمة، وصوت ضابط بينده افتحي يا ست ثريا، معانا أمر تفتيش وبلاغ بمحاولة اعتداء.
ثريا رمت الإزازة من إيدها وهي بتترعش، وبدأت تصرخ وتلم الناس الحقوني! دي عايزة تموتني! دي بتتبلى عليا!
فتحت الباب، ودخل الضابط ومعاه اتنين عساكر، ووراهم ظهر ماجد.. وشه كان شاحب، وعينه مكسورة، مش قادر يحط عينه في عين مراته ولا في عين أمه.
الضابط بص للإزازة المرمية على الأرض وسألني إيه دي يا مدام؟
رديت وأنا بشاور على الموبايل دي دليل نيتها يا فندم، وكل الكلام متسجل هنا.. من أول التهديد بالقتل لحد اعترافها بتزوير ورق البيت.
ثريا بصت لماجد بصه كلها غل وقالت بعت أمك يا ماجد؟ عشان خاطر دي؟
ماجد نطق أخيراً، وصوته كان طالع بالعافية أنا مبعتكيش يا أمي.. إنتي اللي مسبتيش لينا حاجة نتمسك بيها. الورقة اللي كنتِ فاكرة إنها تنازل مني ليكي، كانت ورقة إقرار ذمة مالية كتبتها قدام المحامي، بثبت فيها إن كل قرش دخل البيت ده هو حق نسمة.. أنا كنت بمثل عليكي الأسبوع ده عشان أعرف
إنتي ناوية توصلي لفين، ومكنتش
تم نسخ الرابط