عودة الاب حكايات صافي هاني
يابابا.. هخلص بسرعة، والله مش هغلط تاني
دي الكلمة اللي بنتي رنا اللي عندها 6 سنين قالتها وهي بتهمس وبترتعش من المية الساقعة قدام الحوض، في الوقت اللي ولاد أختي كانوا عمالين يضحكوا ويتنططوا حواليها.. بس اللي عملته اللحظة دي خلى كل اللي في البيت يواجهوا الحقيقة اللي هربوا منها سنين.
الليلة اللي رجعت فيها البيت ده
رسالة أمي فضلت منورة على شاشة الموبايل أكتر من اللازم، ورغم إن الكلمات كانت تبان عادية وبسيطة، بس كان فيه نبرة بين السطور أنا حافظها صم من قبل ما أتعلم أصلاً أوصفها.. نبرة وجع قديم.
بنتك بتتعلم الأدب أهو.
قريت الجملة مرة واتنين وتلاتة، وكل اللي حواليا اتحول لوشوشة في الخلفية.. أنا شوفت الجملة دي قبل كدة، وعارف إنها عمرها ما كان معناها صبر ولا توجيه، دي كانت دايمًا معناها قسوة، وتذكير بارد بمقامك اللي لازم تعرفه من غير ولا كلمة زيادة.
حاولت أقنع نفسي لثواني إني ببالغ، خصوصاً وإني كنت في وسط اجتماع مهم والعميل قاعد قدامي مستني تركيزي، بس فيه غصة في صدري مرضيتش تروح.. إحساس داخلي كان بيقولي إن اللي هشوفه هناك أسوأ بكتير من اللي بتخيله.
قمت من مكاني من غير ما أحس، رميت أي حجة مش فاكرها دلوقتي، وخرجت للهواء الساقع بره.. وسكون الركنة خلى الدوشة اللي في راسي أعلى بكتير.
لأن الحقيقة كانت بسيطة ومرة في نفس الوقت
أنا عارف البيت ده كويس.. وعارف هو ممكن يعمل إيه في حد زيي.
الطريق لأول الحكاية
المشوار لبيت أهلي حسيت إنه مبيخلصش، رغم إنها نفس
رنا كانت فرحانة أوي وأنا بنزلها الصبح، كانت عمالة تفرد في فستانها الأصفر اللي بتحبه وهي بتبصلي بضحكة بريئة، بس في عينيها كان فيه نظرة مكنتش فاهمها وقتها.
ينفع أروح يا بابا؟ والله هبقى مؤدبة ومش هعمل شقاوة.
الجملة دي رنت في ودني دلوقتي وخلت إيدي تكلبش في الديكسيون.. العيال اللي حاسة بالأمان مبيقولوش كدة، بس أنا غلبت حسن النية وقتها وقلت دي براءة أطفال، ومخدتش بالي إن فيه حاجة غلط بتتحضر.
لما وصلت الشارع، البيوت القديمة والشجر اللي مش متساوي مكنش ليهم هيبة ولا راحة، بالعكس، كان ليهم تقل يغم النفس.. وأول ما وقفت وشوفت باب البيت موارب، قلبي سقط في رجلي، وبطلت أكدب على نفسي.
دخلت البيت وصوت خطواتي كان غريب، هادي بزيادة وكأن البيت نفسه كاتم نفسه. أول ما عديت الصالة، سمعت صوت مية جارية في المطبخ، وصوت ضحك عالي وتريقة.. ده صوت ولاد أختي.
قربت براحة، ووقفت عند الباب، والمنظر اللي شوفته خلى الدم يغلي في عروقي.
رنا كانت واقفة على كرسي خشب مهزوز عشان تطول الحوض، فستانها الأصفر اللي كانت فرحانة بيه مبلول كله، وإيديها الصغيرة كانت بترتعش وهي بتدعك في حلل ومواعين أكبر من حجمها بكتير. المية كانت ساقعة تلج، وجسمها كله كان بيتنفض من البرد ومن الخوف.
أول ما شافت خيالي على الأرض، اتفزعت وجسمها انكمش، ومن غير ما تبص
يا بابا.. هخلص بسرعة، والله مش هغلط تاني، هخلصهم كلهم والله.
بنتي بتعتذر لي؟ بتعتذر على ذنب هي ما عملتوش؟
بصيت حواليا لقيت أختي قاعدة على التربيزة بتشرب شاي وبتتفرج على الموبايل، وولادها واقفين ورا رنا بيرموا لها مناديل وسخة وفتافيت أكل في الحوض ويضحكوا، وأمي واقفة بعيد ومربعة إيديها وبتقول ببرود
سيبيها يا نهى، عشان تعرف إن البيت ده ليه نظامه، وإن الدلع اللي عايشة فيه عند أبوها ده ميمشيش هنا.. لازم تنشف.
في اللحظة دي، شريط حياتي كله مر قدام عيني.. شفت نفسي وأنا طفل واقف نفس الوقفة، وبسمع نفس الكلام، وبتحمل نفس الذل عشان أنشف.
دخلت المطبخ بخطوات زلزلت الأرض. أختي قامت مخضوضة وأمي وشها جاب ألوان. من غير ولا كلمة، شلت رنا من فوق الكرسي، حضنتها جامد وهي كانت بتترعش في حضني زي العصفور المبلول.
أمي لسه هتفتح بؤها وتقول أنت بتعمل إيه؟ إحنا بنربيها..
قاطعتها بصوت واطي بس يرعب
اللي بيتربى بجد هو اللي بيعرف يرحم الضعيف، مش اللي بيستقوى على طفلة عندها 6 سنين.. البيت ده أنا سيبته زمان عشان أهرب من القسوة دي، وكنت فاكر إنكم اتغيرتم، بس الظاهر إن الحيطان دي مبتعلمش غير الغل.
أخدت رنا، ولفيتها بالجاكيت بتاعي، وبصيت لأختي وقلت لها
ولادك بيضحكوا عليها دلوقتي، بس بكره هيحسوا بنفس البرد اللي هي حاسة بيه، لأن اللي بيزرع قسوة مبيحصدش غير وجع قلب.
خرجت من البيت وأنا مش شايف قدامي، ورنا بدأت تهدى في حضني. ركبت العربية ودموعها بدأت
حقك عليا يا بنتي.. البيت اللي ميتعملكيش فيه خاطر كأنك أميرة، ملوش لزمة ندخله تاني.. وإحنا مش محتاجين ننشف بقلة الأصل، إحنا بنكبر بالرحمة.
ومن الليلة دي، قفلت الباب ده تماماً، وعرفت إن طاعتي لأهلي مش معناها إني أسيب بنتي تدفع تمن عقد نفسية بقالها سنين.. الإسلام دين رحمة، واللي معندوش رحمة بضناه، ميركبش مركبنا.
المشهد ده كان النقطة اللي مفيش بعدها رجوع..
أمي حاولت تلحقني وأنا خارج، صوتها كان عالي وهي بتقول إنت بتصغرنا قدام العيال؟ بتكسر كلامنا عشان حتة بت لا راحت ولا جت؟ دي لسه عودة طرية ومحتاجة اللي يكسر عينها عشان تطلع ست بيت شاطرة!
لفيت وبصيت لها، والمرة دي مكنش فيه في عيني خوف زي زمان، كان فيه شفقة
ست بيت إيه اللي بتجهزيها وهي عندها 6 سنين يا أمي؟ البنت دي أمانة ربنا عندي، والرسول ﷺ وصى بالرفق.. رفقاً بالقوارير. إنتوا لا رفقتم بيا زمان، ولا عاوزين ترفقوا ببنتي دلوقتي. اللي بتعملوه ده ملوش علاقة بالتربية، ده غل موروث وبتحاولوا تطلعوه في أضعف حلقة فينا.
أختي حاولت تتدخل وتقول ببرود مستفز يا أخويا متكبرش الموضوع، العيال بيلعبوا مع بعض، وبعدين إيه يعني لما تغسل طبقين؟ ما إحنا طول عمرنا بنعمل كدة!
رديت عليها وأنا بفتح باب العربية
إحنا عملنا كدة عشان كان مغلوب على أمرنا، لكن أنا دلوقتي حر، وبنتي حرة. ولادك اللي بيضحكوا دول بكره هيكبروا ويشوفوا إن القسوة دي هي الطبيعي، وساعتها متعيطيش لما يعاملوكي بنفس الجفاء اللي بتعلميهولهم
ركبت العربية، وحطيت رنا