عودة الاب حكايات صافي هاني
في الكرسي اللي ورا، وشغلت الدفاية على الآخر. البنت كانت لسه بتشهق، بس لما لقتني ماسك إيدها وبطبطب عليها، بدأت أنفاسها تهدى.
طول الطريق مكنتش بفكر غير في حاجة واحدة إزاي كنت هسامح نفسي لو كنت اتاخرت نص ساعة كمان؟
وصلنا البيت، حميتها بمية دافية، ولبستها أدفى بيجامة عندها، وعملت لها كوباية لبن بالعسل. قعدت جنبي على الكنبة، وسألتني بصوت واطي وكسير
بابا.. هو أنا كدة وحشة؟ تيتا قالت إني لو مخلصتش المواعين ربنا مش هيحبني.
حضنتها بقوة ودموعي غلبتني
لا يا روح قلب بابا، ربنا بيحبك جداً، وبيحب رقتك دي. اللي حصل ده مش هيتكرر تاني، ووعد مني، مفيش حد في الدنيا دي هيقدر يخليكي تحسي إنك قليلة طول ما أنا عايش.
من الليلة دي، علاقتي بيهم اتغيرت تماماً. حطيت حدود حديد، مش قاطع رحم، بس فلا تقل لهما أف مش معناها إني أسيبهم يهدوا حياة بنتي ويدمروا نفسيتها.
البيت اللي مفيش فيه رحمة، ميبقاش بيت.. يبقى سجن، وأنا وبنتي مش مساجين عند حد.
بعد الليلة دي، التليفون م بطلش رن. أمي وأختي وجوز أختي، الكل باعت رسايل وقبائل صلح ظاهرها العتاب وباطنها إنهم عاوزين يرجعوا يسيطروا تاني.
أختي بعتت رسالة بتقول يا أخويا إنت كبرت الموضوع، دي كانت ساعة شيطان والعيال كانوا بيهزروا، متخليش
رديت عليها برسالة واحدة كانت هي القول الفصل
صلة الرحم بتبدأ بالرحمة يا نهى، والرسول ﷺ قال ليس منا من لم يرحم صغيرنا. اللي حصل ده مكنش هزار، ده كان كسر نفس، وأنا مش هسمح لبيتي وبنتي يكونوا حقل تجارب لعقد حد. لما تعرفوا قيمة الضنا وتفهموا يعني إيه أمانة، ابقوا اتكلموا عن صلة الرحم.
مرت الأيام، ورنا بدأت ترجع لضحكتها تاني. مكنتش بسيبها لحظة، وبقيت أخدها معايا في كل حتة، أعوضها عن الخوف اللي شافته. وفي يوم، كنا قاعدين بنقرأ قرآن سوا، ووقفت عند آية وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ.
بصيت لرنا وقلت في سري يا رب، أنا هخفض لهما جناح الذل براً بيك، بس مش هسمح ليهم يذلوا اللي استأمنتني عليهم.
قررت إني مش هقاطع، بس هحط سلك شائك. الزيارات بقت في أضيق الحدود، وفي أماكن عامة، ومفيش بيات ولا قعدة لوحدها مع حد مهما كان. علمت بنتي إن كرامتها خط أحمر، وإن الأدب مش معناه إنها تقبل الإهانة، وإن شطارة الست في عقلها ورحمتها، مش في عدد المواعين اللي بتغسلها وهي بتترعش.
أما أهلي، فمع الوقت استوعبوا إن الابن المطيع اللي كان بيسمع الكلام وهو ساكت كبر، وبقى عنده رعية هو مسؤول عنها قدام ربنا قبل ما يكون
الخلاصة اللي طلعت بيها
التربية مش بالخوف، والدين مش بالقسوة. البيت اللي ميبنيش في الطفل ثقة بنفسه ويحسسه إنه غالي، هيفضل طول عمره يطلع ناس مكسورة بتدور على الأمان في الشخص الغلط. وأنا، بفضل الله، قررت إن السلسلة دي تنقطع عندي.. بنتي هتكبر قوية، رحيمة، وعارفة إن ليها ضهر مبيكسرش أبداً.
بعد كام شهر، كانت فيه مناسبة عائلية كبيرة، عزومة عند بيت عيلة والدتي. الكل كان متجمع، وأمي بعتت لي عزومة رسمية، وكان باين من كلامها إنها بتحاول تلطف الجو بس بأسلوبها القديم اللي فيه سنّة كبر.
رحت، بس المرة دي رحت وأنا راسم حدودي على وشي قبل ما أرسمها في كلامي. دخلت وأنا ماسك إيد رنا، والكل كان بيبص لنا بترقب. رنا كانت خايفة في الأول، بس همست في ودنها م تخافيش يا حبيبتي، بابا جنبك، ومحدش يقدر يلمس شعرة منك.
قعدنا، وأختي نهى حاولت تفتح كلام وتقول بضحكة صفراء أهو الباشا جه، اللي عامل لنا فيها حامي الحمى.. ها يا رنا، لسه بتغسلي المواعين ولا بابا جاب لك خدامة؟
البيت كله سكت.. رنا بصت لي وهي مستنية ردي.
بصيت لأختي بهدوء قاتل وقلت لها رنا بتعرف تعمل كل حاجة في بيتها بحب، مش بالغصب. والخدام هو اللي بيخدم أهواءه وقسوته يا نهى، مش اللي بيحمي بنته. وبعدين
أمي حاولت تلطف الدنيا وقالت خلاص يا ولاد، اذكروا الله، مكنتش كلمتين اتقالوا في وقت زعل.
قمت وقفت وقلت بوضوح قدام الكل
يا جماعة، عشان نقفل السيرة دي تماماً.. أنا بار بيكوا، وبحبكوا، وده واجبي اللي ربنا أمرني بيه. بس ديني برضه علمني إن كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته. وبنتي دي هي رعتي الأولى. اللي هيحترمها ويشيلها فوق راسه، هشيله في عيني.. واللي هيحاول يكرر مشهد الحوض والساقعة تاني، يبقى بيختار بإيده إنه يخرج من حياتنا.
الكل سكت، وأختي نزلت عينيها في الأرض. في اللحظة دي، حسيت إن الحمل اللي كان على كتافي من سنين انزاح. مش بس حميت بنتي، أنا حميت الطفل اللي كان جوايا ومكسور من زمان.
واحنا راجعين في العربية، رنا نامت على كتفي وهي ماسكة في جاكيتي جامد. بصيت لها وقلت في بالي
نامي يا بنتي وانتي مطمنة.. طول ما فيا نفس، مش هسمح لبرد الدنيا يلمس قلبك، ولا لظلم القريب يكسر ضهرك. إحنا ولاد ربنا، والرحمة هي اللي بتجمعنا، مش الخوف.
ومن يومها، الكل عرف إن الأدب الحقيقي هو احترام كرامة الإنسان، مهما كان صغير.. وإن الرجولة مش بالصوت العالي، لكن بالوقفة اللي تحمي
تمت.