التؤام المتروك حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

التوأم عند بوابة 14
​صالة "بوابة 14" في مطار القاهرة الدولي كانت زحمتها كفيلة إنها تداري أي حاجة وكل حاجة. صوت شنط السفر وهي بتجري على البلاط الناعم، وصدى نداءات الطيارات اللي مالي المكان، وأهالي بيجروا عشان يلحقوا ميعاد سفرهم، والقهوة في إيد والباسبورات في الإيد التانية.
​ده بالظبط السبب اللي خلى نيرمين تختار المكان ده.
​كانت فاكرة إن محدش هياخد باله من طفلين توأم عندهم 5 سنين، قاعدين لوحدهم على الكراسي المعدن وسط الزحمة دي.
​الولد، كريم، كان حاضن دبدوب قماش قديم ومتبت فيه. وأخته، كاميليا، كانت ماسكة في كمه وكأنها خايفة لو سابته العالم كله يختفي.
​نيرمين وطت عليهم، بس ملامحها مكنش فيها أي حنية. قالت بحدة: "اقعدوا هنا ومحدش يتحرك.. دقيقة وجايبة حاجة وجاية."
​وبعدها لفت وادت تذكرة الطيران لموظف البوابة، واختفت بسرعة جوه الممر اللي بيودي للطيارة.
​كريم فضل باصص على البوابة لحد ما قفلت.
كاميليا همست بصوت واطي: "هي مش هترجع تاني، صح؟"
كريم معرفش يرد، فضل

ساكت.
​بس الناحية التانية من الصالة، كان فيه راجل لابس بدلة شيك مراقب المشهد كله من أوله.
الراجل ده هو منصور عز الدين، رجل أعمال تقيل من الصعيد ومستقر في القاهرة. الناس تعرفه إنه شخصية صارمة، كلمته سيف، ومبيتهزش من حاجة.
​لكن لما شاف الطفلين دول قاعدين زي الشنط المنسية، حاجة جواه اتحركت.
​الراجل اللي خد باله
​المساعد بتاع منصور قرب منه وقال: "يا فندم، طيارة حضرتك الخاصة جاهزة والمدرج مستني."
منصور محركش ساكن.
عينيه فضلت مثبتة على التوأم.
​الولد كان ساكت بزيادة، والبنت كانت باينة قوية بشكل يوجع القلب. الأطفال في سنهم ده المفروض يكونوا بيتنططوا، بيعيطوا، أو مش طايقين القعدة.. لكن دول شكلهم اتعودوا خلاص إن مفيش حد بييجي يساعدهم.
​منصور مشي ناحيتهم بالراحة عشان ميخوفهمش، ووطى على ركبته عشان يكون في مستواهم.
​سألهم بصوت هادي: "فين مامتكم يا حبايبي؟"
كاميليا بصت في عينيه مباشرة وقالت: "دي مش مامتنا."
سكت منصور لحظة، والكلمة رنت في ودنه. "دي مش مامتنا".. جملة
بسيطة بس كشفت المستور. بص للولد، لقى كريم لسه متبت في دبدوبه وعينيه مليانة حزن أكبر من سنه بكتير.
​منصور سألهم تانى بحذر: "أمال هي مين؟ وفين باباكم؟"
​كريم اتكلم بصوت مخنوق: "بابا عند ربنا.. وهي قالت إننا رايحين رحلة، وطلبت مننا نستنى هنا عشان تجيب العصير.. بس هي أخدت الشنط الكبيرة ودخلت جوه."
​هنا منصور فهم اللعبة. "مرات الأب" قررت تتخلص من "الحمل الزيادة" وتطير بفلوس الورث، وسابتهم في وسط زحمة المطار وهي عارفة إن محدش هيعرف يوصل لها بعد ما الطيارة تطلع.
​وقف منصور وطوله هيبته، وبص لمساعده اللي كان واقف مستغرب: "إلغي رحلتي دلوقتي يا متر.. وكلملي أمن المطار فوراً. الطيارة اللي لسه طالعة من بوابة 14 لازم تقف، والست اللي سابت العيال دي تنزل منها قبل ما تتحرك سنتيمتر واحد."
​المساعد ارتبك: "بس يا فندم، الاجتماع في دبي مهم جداً وممكن نخسر.."
​قاطعه منصور بنظرة حادة: "خسارة الفلوس تتعوض، لكن كسر خاطر يتامى زي دول في بيت ربنا (قاصداً مصر وأرضها) ميترقعش.
العيال دي في حمايتي لحد ما أجيب لهم حقهم من الست دي."
​رجع منصور بص للتوأم وابتسم ابتسامة هادية لأول مرة: "متخافوش يا ولادي.. طول ما أنا موجود، مفيش حد هيقدر يسيبكم تاني. إحنا ولاد أصول، والظلم ملوش مكان وسطنا."
​كاميليا سابت كم أخوها ومسكت في إيد منصور، وكأنها لقت أخيراً السند اللي هيحميها من غدر الدنيا.
​تفتكر منصور هيقدر يرجع حقهم فعلاً ولا نيرمين هتهرب بالفلوس؟
المساعد مكنش قدامه غير إنه ينفذ الأوامر فوراً. في دقايق، كانت أجهزة اللاسلكي في المطار كلها بتونّ. منصور عز الدين مش مجرد اسم، ده راجل كلمته مسموعة في كل شبر.
​على الناحية التانية، نيرمين كانت قاعدة في كرسيها في "درجة رجال الأعمال"، حاطة رجل على رجل وبتبص من شباك الطيارة وهي بترسم أحلامها بالفلوس اللي سرقتها من ورث العيال. كانت فاكرة إنها خلاص هربت، وإن العيال "التيهة" دول هيكونوا نصيب أي ملجأ أو فاعل خير.
​فجأة، صوت المضيفة قطع تفكيرها: "يا فندم، بعتذر منك، محتاجين نراجع جواز سفرك مرة تانية،
في مشكلة بسيطة في البيانات."

تم نسخ الرابط