العجوز يعشق
على سن ال 72، مكنتش أتخيل أبداً إن قلبي يدق تاني. لكن كنت واقفة في الكوشة، وجنبي راجل أرمل هادي، كنت فاكرة إنه عوض ربنا ليا.. لحد ما في وسط الفرح، بنته سحبتني على جنب ووشوشتني الراجل ده مش هو اللي أنتي فاكراه.
بعد ما فقدت جوزي اللي عشت معاه 35 سنة، كنت سلمت أمري لله وقلت الصفحة دي اتقفلت، والحب ده بقى مجرد ذكرى من الماضي.
من حوالي سنة، قابلت الحاج عبد الرحمن في الجامع بعد الصلاة. كان قاعد لوحده وسرحان، قربت منه أسأله لو محتاج حاجة، واللحظة دي قلبت لدردشة.. وبعدها لتعلق.
عبد الرحمن كان عنده 74 سنة، وأرمل هو كمان. حكالي إن مراته اتوفت من سنين في حادثة، وإنه ربى بنته ليلى لوحده، ومفكرش يتجوز تاني واكتفى ببيته وعبادته.. لحد ما قابلني.
مع الوقت، لقيت نفسي بفتح قلبي ليه بشكل مكنتش متوقعاه. كان رزين، وحنين، وسند.. نفس الإحساس اللي كنت بفتقده من يوم وفاة جوزي الله يرحمه.
بعد سنة مع بعض، طلب إيدي.
مترددتش ثانية واحدة.
ولأول مرة من سنين، حسيت بفرحة حقيقية بتملا قلبي.
قبل الفرح، قابلت أهله. كلهم
لما سألت عبد الرحمن، ابتسم وقال لي هي بتغير عليا شوية، وعاوزة مصلحتي مش أكتر.
صدقته وريحت بالي.
الفرح كان بسيط وعائلي في جنينة بيته، كل حاجة كانت هادية ومليانة دفا، زي ما حلمت بالظبط.
بس وقت البوفيه والناس بتهني، كانت ليلى واقفة بعيد، بتراقبني بنظرات غريبة.
مقدرتش أطنش أكتر من كدة.
روحتلها عشان أفهم في إيه.
خدت إيدي براحة ومشت بيا بعيد عن الزيطة والمزيكا، ووقفت في ركن هادي.
سكتت لحظة، وبصت لي بتركيز لدرجة إن نفسي ضاق.
قالت لي بصوت واطي أنتي ست طيبة وبنت حلال، وأنا مش شايفة إن أبويا كان صادق معاكي في كل حاجة.
قلبي وقع في رجلي.
يا ليلى.. قصدك إيه بالكلام ده؟
عنيها دمعت وقالت مقدرش أمثل إن كل حاجة تمام.. هو مش الشخص اللي أنتي شفتيه، والراجل اللي لسه كاتبة كتابك عليه دلوقتي ده.. مش هو ده اللي أنتي عارفاه.
ترددت ثانية، وبعدين قالت لي بهدوء يرعب
تعالي معايا.. وأنا هوريكي الحقيقة.
وفي اللحظة دي، كل حاجة
مشيت ورا ليلى بخطوات تقيلة، ورجلي كانت بتخبط في بعضها من الخوف. دخلنا المكتب بتاعه اللي في آخر الممر، وقفلت الباب وراها بالمفتاح. طلعت من جيبها مفتاح صغير وفتحت درج سري في المكتب، وطلعت منه دوسيه قديم وصور كانت مستخبية بعناية.
بصت لي وقالت أبويا قالك إن أمي ماتت في حادثة، صح؟
هزيت راسي وأنا مش قادرة أنطق.
رمت الصور قدامي وقالت أمي ممتتش في حادثة.. أمي هربت منه وهي مرعوبة، والصور دي لتقارير طبية ومحاضر قديمة من عشرين سنة. أبويا اللي أنتي شايفة فيه الهدوء والرزانة ده، كان إنسان تاني خالص.. إنسان بوشين. الوش الحنين ده مبيظهرش غير في البدايات بس، لحد ما يتمكن.
فتحت الدوسيه، لقيت صور لست تانية خالص غير اللي وراني صورتها، ولقيت أوراق تثبت إنه كان متجوز تلات مرات قبل كدة، مش مرة واحدة زي ما قال لي، وكلهم انتهوا بقضايا ومشاكل هو كان مخبيها ومنتحل شخصية الرجل المتدين الزاهد.
ليلى كملت وهي بتترعش أنا مقدرتش أسكت وأسيبك تضيعي زيهم.. هو مبيحبش
في اللحظة دي، سمعنا خبط رزين على الباب.. خبطة عبد الرحمن الهادية اللي كنت بحبها.
نادى بصوته الحنين يا حاجّة.. أنتي فين؟ ليلى عندك؟
بصيت لليلى برعب، وحسيت إن الحيطان بتلف بيا. الراجل اللي برا ده، اللي لسه واكلة معاه عيش وملح وكاتبة كتابي عليه، طلع سراب.. طلع مجرد ممثل شاطر رتب لكل حاجة عشان يوصل لغرضه.
ليلى وشوشتني لو فتحتي الباب دلوقتي، لازم تمثلي إن مفيش حاجة حصلت.. اهربي يا طنط، اهربي قبل ما يتمكن منك وتلاقي نفسك في دوامة ماب تنتهيش.
مسحت دموعي بسرعة، وحاولت أجمع شتات نفسي.. وفتحت الباب. وقف قدامي بابتسامته اللي كانت بتبهرني، بس المرة دي، شفت في عينيه لمعة غريبة مكنتش شايفاها قبل كدة.. لمعة ذئب لقى فريسته.
قلت له بصوت متهدج معلش يا حاج، ليلى كانت بتوريني صور قديمة بس.. أنا محتاجة أرتاح شوية.
ساعتها قررت إن الجوازة دي مش