جد ينقذ حفيدته حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

حفيدة ابني المتبناة، ليلى، عندها تمن سنين.. سابوها لوحدها في البيت وسافروا يصيفوا مع ابنهم عمر. الساعة اتنين بالليل، لقيتها بتكلمني وهي بتعيط ومنهارة ليه يا جدو؟ عملت إيه؟. في ثواني، كنت حاجز تذكرة طيران، وماعداش يوم إلا وكنت واقف قدامهم في المكان اللي مستحيل يتوقعوا إني أروحه.
كنت يدوب لسه مغمض عيني بقالي بتاع أربعين دقيقة.. نوم تقيل من كتر الهلاك. وفي سني ده، الراحة مابتطولش، بتبقى خطف كده. بس في اللحظة دي، كنت في سابع نومة.
فجأة، نور الموبايل ضرب في عيني وكسر ضلمة الأوضة.
ماردتش في وقتها. سنين شغلي كمحامي أحوال شخصية علمتني أخاف من رنة التليفون بالليل.. مفيش خير بييجي الساعة اتنين الفجر أبدًا. مديت إيدي جبت النضارة، بصيت على الشاشة.. لقيت اسمها.
ليلى.
فتحت الخط فورًا حبيبة جدو، في إيه يا بنتي؟.
في الأول مكنتش سامع غير نَفَسها.. نَفَس متقطع ومكتوم، كأنها خلصت كل العياط اللي في الدنيا ومبقتش قادرة تصرخ.
وبعدين، بصوت يدوب مسموع يا جدو...
اتعدلت في سريري ونطقت أنا معاكي يا حبيبتي.. قوليلي حصل إيه؟.
هما مشيوا..
لثانية افتكرت إني سمعت غلط مين اللي مشيوا؟.
بابا.. وماما.. وعمر.
وقفت على حيلي وبحاول أستوعب قولي تاني كده؟.
قالت وهي بتوشوش سافروا شرم الشيخ.. راحوا يتفسحوا.
الدنيا اسودت في عيني.. الصدمة كانت لجماني، والغضب كان لسه بيغلي جوه.
سألتها بهدوء وأنا بحاول أتمالك نفسي طب ومين معاكي في البيت؟.
محدش.
الكلمة دي نزلت عليا زي الجبل.
محدش خالص؟.
طنط سعاد الجارة قالتلي لو عوزتي حاجة خبطي عليا.. بس هما سافروا من امبارح بليل. قالولي إني عندي مدرسة يوم الاتنين.. بس عمر كمان عنده مدرسة.. يا جدو، هما ليه مخدونيش معاهم؟.
السؤال

ده دبحني أكتر من أي حاجة تانية.
أنا قضيت عمري في المحاكم بسمع حجج فارغة وأسر بتتهد قدام عيني.. وعارف إزاي أتحكم في أعصابي وما أبينش أي رد فعل.
بس لما سمعت الكلام ده منها هي.. قلبي وجعني بجد.
قلتلها بحنان إنتي معملتيش حاجة غلط يا حبيبتي.. ولا الهوا.
أمال ليه سابوني؟.
رديت وأنا بحاول أجمع شتات نفسي مش عارف لسه.. بس وحق لا إله إلا الله هعرف، وهجيبلك حقك.
وقتها مكنتش مدرك إن الوعد ده هيغير كل حاجة.
الساعة كانت 211 بالليل، كنت اتصلت بصاحبي عادل.
رد من أول رنة يا منصور، في إيه يا راجل؟.
محتاجك تخلي بالك من الكلب بتاعي ومن البيت.
سكت لحظة وسأل قد إيه؟.
مش عارف.. كام يوم.. ويمكن أكتر.
الموضوع يخص حفيدتك؟.
أيوه.
مسألش ولا كلمة تانية.. هو ده عادل، بيتحرك الأول وبعدين يستفسر.
قاللي عشر دقايق وأكون عندك.. سيب المفتاح لو نزلت.
حجزت أول طيارة طالعة. السواقة كانت ممكنة بس مكنتش هلاحق.. كنت حاسس بنار قايدة ومستعجل بشكل مش طبيعي.
قبل ما أنزل، دخلت مكتبي وفتحت الدرج بشكل تلقائي. كان فيه جهاز تسجيل صغير كنت بستخدمه زمان في شغلي.
مسكته، قلبته في إيدي، ورحت راميه في الشنطة.
يمكن غريزة، يمكن خبرة، أو يمكن كان فيه صوت جوايا بيقولي إن الموضوع مش هيخلص بكلمتين حلوين.
لميت شنطتي بسرعة وكنت جاهز قبل الفجر.
الساعة 502، عادل جالي وهو لابس الشبشب وتيشرت قديم وفي إيده كوباية القهوة.
بصلي وقال شكلك تعبان أوي.
رديت عليه أنت شكلك أتعب.
ابتسم نص ابتسامة وبصلي بجدية لو لزم الأمر.. هاتها معاك وإنت راجع.
ده اللي هيحصل.
طبطب على كتفي ودخل البيت، والكلب استقبله وهو فرحان.
وفي لحظة، كنت في طريقي للمطار..
وصلت المطار وأنا مش شايف قدامي، الغضب كان هو اللي
محركني. طول الرحلة وصورة ليلى وهي بتعيط مش مفارقة خيالي. كنت بسأل نفسي إزاي؟ إزاي هانت عليهم طفلة يتيمة لجأوا لربنا عشان يتبنوها ويفتحوا لها بيت، وفي الآخر يعاملوها كأنها حمل تقيل؟.
أول ما نزلت، ركبت تاكسي وطلعت على الفندق اللي عرفت إنهم حاجزين فيه. وصلت هناك على الضهر، الشمس كانت حامية بس مش أحمى من النار اللي في قلبي.
دخلت الريسبشن، وبصفتي محامي قديم، بعرف أطلع المعلومة بكلمتين ذوق. عرفت رقم أوضتهم، وطلعت.
وقفت قدام الباب، وسمعت صوت ضحكهم طالع لبره.. صوت عمر وهو بيلعب، وصوت ابني ومراته وهما بيهزروا. خبطت خبطة قوية، خبطة واحد مش جاي يضايف.
ابني حسين هو اللي فتح. أول ما شافني، وشه جاب ألوان، والضحكة اتشفطت من على وشه.
بابا؟! إيه اللي جابك هنا؟.
زقيت الباب ودخلت من غير استئذان. مراته نهى كانت قاعدة بتشرب عصير، أول ما شافتني قامت وقفت وهي مرتبكة عمي! خير؟ حصل حاجة؟.
بصيت ليهم هما الاتنين وقلت بصوت واطي بس يرعب إيه اللي إنتوا عملتوه ده؟.
حسين حاول يمثل الثبات عملنا إيه يا بابا؟ جينا نغير جو يومين قبل الدراسة، وليلى كان عندها مدرسة ومحبناش نشغلها...
قاطعته وأنا بطلع جهاز التسجيل من جيبي مدرسة؟ وت Toby عمر معندوش مدرسة؟ طفلة عندها تمن سنين تتساب لوحدها في بيت ضلمة عشان تغيروا جو؟ إنتوا عارفين إن ده في القانون اسمه إهمال يعرضكم للحبس؟ وعارفين إن في شرع ربنا ده ظلم يهد جبال؟.
نهى اتدخلت وصوتها علي يا عمي إحنا أحرار في تربية ولادنا، وبعدين إحنا مأمنين لها الأكل والشرب والجيران موجودين...
بصيت لها باحتقار وقلت إنتي بالذات تسكتي. البنت كلمتني وهي بتترعش، بتسألني أنا عملت إيه يا جدو؟. تفتكري طفلة متبناه لما تحس إنها منبودة بالشكل
ده، نفسيتها هتبقى عاملة إزاي؟ إنتوا متبنيينها عشان ترحموها ولا عشان تكسروها؟.
حسين حاول يقرب مني يا بابا اهدى بس، إحنا هنرجع بكرة...
قلتله بصرامة إنت مش هترجع بكرة، إنت هتديني مفتاح البيت دلوقتي حالا. ليلى مش هتقعد معاكم يوم واحد تاني. أنا هاخدها تعيش معايا، والورق اللي بيني وبينكم من النهاردة هيبقى ورق محاكم لو فكرتوا تقربوا منها.
إنت عايز تاخد بنتنا منا يا بابا؟ حسين قالها بذهول.
رديت عليه وأنا ماشي ناحية الباب دي مش بنتكم.. دي أمانة وإنتوا خنتوها. والبيت اللي مفيش فيه عدل بين الولاد، ميبقاش بيت.. يبقى سجن.
سيبتهم مذهولين، ورجعت في نفس اليوم. أول ما وصلت وفتحت باب بيتها، ليلى جرت عليا وارتمت في حضني وهي بتشهق. شلتها وضميتها لصدري وقلت لها
خلاص يا روح جدو.. مفيش حد هيسيبك تاني أبدًا. إنتي من النهاردة في حماية ربنا.. ثم حمايتي.
من يومها، ليلى مابقتش تفارقني، وعرفت إن ساعات القسوة من أقرب الناس هي اللي بتعرفنا قيمة الرحمة اللي ربنا زرعها في قلوبنا.
بعد الموقف ده، حياتي اتغيرت تماماً. ليلى نقلت هدومها وحاجتها الصغيرة عندي في البيت، والبيت اللي كان هادي وممل، بقى مليان روح وضحك من تاني. كنت بصحى الفجر أصلي، وأحضر لها الساندوتشات، وأوصلها مدرستها بإيدي.
ابني حسين حاول يكلمني كذا مرة، ويبعت رسايل اعتذار، ويقول إن نهى كانت مضغوطة وإنهم غلطوا.. بس أنا كنت قفلت الباب ده. مش قسوة مني، بس فيه كسرة قلب مبيصلحهاش كلمة آسف. الطفل اللي بيحس إنه درجة تانية بيفضل الجرح ده معاه العمر كله لو ماتعالجش بالحب والاحتواء.
في يوم، كنت قاعد مع ليلى بنذاكر، لقتها سكتت فجأة وبصت لي وقالت
جدو.. هو أنا وحشة عشان كدة بابا وماما سابوني؟
نزلت النضارة
من على عيني، وأخدتها في حضني وقلت لها
يا ليلى، إنتي أجمل رزق ربنا
تم نسخ الرابط