جد ينقذ حفيدته حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

بعتهولي في كبري. عارفة الشجرة اللي بتبقى في الجنينة لوحدها بس بتطرح أحلى ثمر؟ إنتي كدة. هما اللي نظرهم ضعيف مشافوش الجمال اللي فيكي، لكن إنتي عندي بالدنيا وما فيها.
مرت الشهور، وليلى بدأت تتفوق في دراستها، ورجعت لها ثقتها في نفسها. وفي يوم عيد ميلادها التاسع، عملت لها حفلة كبيرة في جنينة البيت، وعزمت عادل صاحبي وأحفاده.
وسط اللعب والضحك، لقيت حسين واقف عند البوابة، شايل هدية وباصص من بعيد بندم واضح. ليلى شافته، جمدت في مكانها وبصت لي كأنها بتستأذنني.
هزيت راسي لها بالراحة، بمعنى روحي.
جريت عليه، هو نزل لمستواها وحضنها وهو بيعيط بحرقة. أنا وقفت بعيد، كنت مراقب المشهد وأنا حاسس براحة. أنا مش عايز أخرب علاقتها بأبوها، أنا بس كان لازم أعلم الأب يعني إيه أمانة، وأعلم البنت إنها غالية وتستاهل تتحب.
حسين قرب مني وهو ماسك إيد ليلى، وطبس على إيدي باسها وقال
سامحني يا بابا.. أنا اتعلمت الدرس، ليلى بنتي فعلاً، وعمر ما ده هيتكرر تاني.
بصيت له وقلت له المسامحة مش عندي أنا.. المسامحة عند ليلى. والبيت ده هيفضل مفتوح لها طول العمر، عشان تعرف إن ليها ضهر وسند مبيتميلش.
ومن يومها، ليلى بقت هي اللي بتجمعنا كلنا. اتعلمنا إن العيلة مش بس بالدم، العيلة بالرحمة، وبالكلمة الطيبة، وبالعدل اللي وصانا بيه ربنا. وبقيت كل ما أبص لضحكتها، أحمد ربنا إن التليفون ده رن الساعة اتنين بالليل، عشان ينقذ
ملاك صغير من ضلمة الوحدة.
مرت السنين، وليلى كبرت قدام عيني وبقت عروسة زي القمر، متفوقة في دراستها وأهم حاجة إن روحها بقت سليمة، مفيش فيها أثر للوجع القديم. السنين دي مكانتش مجرد تربية، دي كانت جبر خاطر لربنا في طفلة كان ممكن تضيع.
حسين ابني اتغير فعلاً، وبقى بيتقي الله في ليلى قبل عمر. عرف إن الأبوة مش شهادة ميلاد، الأبوة احتواء. ونهى مراته، مع الوقت، فهمت إن ليلى مش دخيلة على العيلة، دي هي اللي جابت البركة للبيت ده.
في يوم تخرجها من كلية الحقوق، وقفت ليلى على المسرح عشان تستلم شهادتها. كانت لابسة الروب الأسود، والكل بيسقف لها. أول ما مسكت المايك عشان تلقي كلمة الخريجين، سكتت لحظة، وعينها دورت في القاعة لحد ما جت في عيني.
قالت بصوت واثق ومؤثر
أنا النهاردة بهدي النجاح ده لشخص واحد.. الشخص اللي رد لي اعتباري في ليلة كنت فاكرة فيها إن العالم كله اتخلى عني. للي علمني إن الحق مبيضيعش، وإن السند مش بالعدد، السند بقلب بيحب بصدق. شكراً يا جدي.. شكراً لأنك كنت لي الأب والضهر.
القاعة كلها وقفت تسقف، وأنا دموعي نزلت غصب عني. مكنتش دموع حزن، كانت دموع نصر. حسيت إني أديت رسالتي في الدنيا، وإني وفيت بالوعد اللي قطعته على نفسي الساعة اتنين الفجر من سنين طويلة.
لما روحنا البيت، ليلى جت قعدت جنبي، وبست إيدي وقالت لي
فاكر يا جدو لما سألتك ليه سابوني؟
ابتسمت وقلت لها فاكر يا حبيبتي.
قالت
لي وهي بتضحك أنا دلوقتي عرفت الإجابة.. هما سابوني عشان ربنا كان عايز يخليني ليك لوحدك، وعشان أتعلم منك إزاي أكون محامية شاطرة زيك وأجيب حقوق الناس الغلابة.
طبطبت على كتفها وقلت لها يا بنتي، إنتي اللي أنقذتيني من الوحدة، مش أنا اللي أنقذتك. إنتي كنتي النور اللي نور لي أيامي الأخيرة.
وفي الليلة دي، وأنا نايم، كنت حاسس براحة ملمستش قلبي من زمان. البيت هادي، بس هدوء مليان رضا. بصيت لصورة عادل صاحبي الله يرحمه، وافتكرت وقفته معايا، ودعيت له.
الحكاية مخلصتش بانتصار في محكمة، الحكاية خلصت بانتصار الإنسانية. إننا مهما غلطنا، باب الرجوع والاعتذار مفتوح، بس الأهم إننا نتعلم الدرس.. إن اليتيم أو المتبنى مش مجرد ضيف في حياتنا، ده باب للجنة لو أحسنا معاملته، أو نار لو ظلمناه.
ونمت وأنا مطمن إن ليلى خلاص بقيت قوية كفاية إنها تواجه الدنيا، وإنها شايلة في قلبها أمانة الرحمة اللي اتعلمتها مني، وهتنقلها لكل الناس.
بعد كام سنة، جالي تليفون تاني في وقت متأخر، بس المرة دي مكنش عياط.. كان صوت ليلى وهي بتبشرني يا جدو، أنا بقيت وكيلة نيابة!.
في اليوم ده، لبست أحلى بدلة عندي ورحت معاها أول يوم شغل. كنت فخور بيها وهي قاعدة ورا المكتب، والناس بتبصلها باحترام. ليلى مكنتش مجرد موظفة، كانت صوت الحق. وبسبب اللي عاشته وهي صغيرة، كانت عندها حاسة غريبة في كشف الظلم، خصوصاً لما الموضوع يخص طفل أو حد ضعيف.

في مرة، دخلت عليها المكتب لقيتها بتخلص محضر بخصوص طفل أهله أهملوه. بصت لي وقالت عارف يا جدو.. كل ما بيجيلي قضية زي دي، بفتكر ليلتي في البيت الضلمة، وبقول لنفسي إن ربنا حطني هنا عشان مفيش طفل تاني يسأل نفسه أنا عملت إيه؟.
حسين ابني كبر وبقى يقضي معايا وقت أكتر، وفي يوم واحنا قاعدين بنشرب شاي، بص لليلى وهي بتلعب مع ولاد أخوها عمر، وقال بصوت واطي
تعرف يا بابا.. أنا كنت فاكر إني بعمل فيها جميل لما تبنيتها، لكن الحقيقة هي اللي عملت فينا الجميل.. هي اللي علمتنا يعني إيه عيلة.
هزيت راسي وقولتله يا ابني، ربنا لما بيحط في طريقك حد محتاج، ده مبيبقاش حمل، ده بيبقى اختبار لقلبك.. وإنت الحمد لله نجحت في الاختبار، ولو متأخر شوية.
دلوقتي، وأنا قاعد في هزازي في البلكونة، ليلى بتيجي تقعد تحت رجلي، وبتقرأ لي الكتب اللي عيني مبقتش تجيبها. بقيت بشوف في عينيها حكاية طويلة بدأت بوجع، وانتهت بجبر خاطر عظيم من ربنا.
مبقتش أخاف من رنة التليفون بالليل.. لأن ليلى جنبي، وحوليّ ولادي وأحفادي، والبيت اللي كان هيتفكك بسبب تفسيحة، بقى أقوى بيت في الدنيا بفضل كلمة حق اتقالت في وقتها.
أنا مش بس أنقذت حفيدتي.. أنا أنقذت ابني من إنه يعيش ظالم، وأنقذت نفسي من وحدة الكبر. وعرفت إن أعظم قضية كسبتها في حياتي مكنتش في المحكمة، كانت القضية اللي بدأت الساعة اتنين بالليل، وانتهت بضحكة صافية من قلب طفلة متبناة
بقت هي سند العيلة كلها.
تمت.

تم نسخ الرابط