خوف الام حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

قعدت أربع ساعات مستنية ولادي الستة عشان عيد ميلادي الستين.. بس البيت فضل هس، مفيش غير صمت يقبض الروح.. لحد ما خبط ظابط شرطة على بابي وسلمني ورقة، خلت قلبي يقف مكانه.
​لما اتجوزت أبوهم زمان، كان بيضحك ويقولي نفسي في عزوة، عيلة كبيرة تملى عليا الدنيا.. كان دايماً يقول بابتسامة: "عايز بيت دوشة، وطبلية متبقاش فاضية أبداً".
وده بالظبط اللي عملناه.. ست عيال في عشر سنين.
​ولفترة، كان بيتنا زي ما حلم.. زحمة، وهرجلة، وصوت ضحك وجري في كل حتة، وأبواب بتتفتح وتتقفل ليل نهار.
لحد ما جه يوم، وقرر فجأة إن الحمل بقى تقيل عليه.. اتعرف على واحدة "أونلاين" عايشة بره البلد.
وفي خلال كام شهر، كان لمّ شنطته، ووقف على باب البيت يقولي إنه محتاج "يلاقي نفسه".. وظاهر كده إنه لقى نفسه في بلد تانية خالص.. معاها هي.
​وفي لحظة، لقيت نفسي لوحدي مع ست رقاب ومصاريف مبتخلصش.
مبكتش، مكنش عندي رفاهية الانهيار.. كنت بشتغل الصبح في محل بقالة، وبالليل لما العيال تنام، أنضف مكاتب في وسط البلد.. علمت نفسي أصلح السباكة لما مكنش معانا تمن السباك، وعرفت إزاي أخلي الفرخة الواحدة تأكلنا تلات أيام.. ياما نمت والهم واكل راسي على طرابيزة المطبخ والفواتير متلتلة قدامي.
​فاتتني أفراح، وفاتتني خروجات.. حتى مواعيدي عند الدكتور كنت بأجلها عشان أجيب لواحد فيهم جزمة جديدة أو أطلعهم رحلة تبع المدرسة.

. مشتريتش لنفسي قميص جديد إلا لو كان عليه خصم ملوش حل.
بس أعياد ميلادهم كانت خط أحمر.. مهما كانت الدنيا مأزمة، كنت أخبزلهم الكيكة بإيدي وأخليهم يلحسوا المعلقة وهما بيضحكوا.. اللحظات دي كانت هي سندي.
كنت بقول لنفسي بكره يكبروا ويفهموا أنا ضحيت بإيه عشانهم.
​وفعلاً كبروا.. جامعة، شغل، جواز.. وكل واحد فيهم اتسحل في محافظة وشغل وبلد تانية.. المكالمات بقت تخطف، والزيارات بقت "إن شاء الله الشهر الجاي".
قلت لنفسي هي دي الدنيا.
​في عيد ميلادي الستين، مكنتش عايزة هيصة.. لا جيران ولا أصحاب.. أنا عايزة ولادي الستة بس.. نرجع نتلم في أوضة واحدة زي زمان.
قضيت اليوم كله وافقة في المطبخ.. عملت المكرونة اللي بيحبها "محمود"، والفراخ المشوية لـ "ياسين"، وفطيرة التفاح لـ "سارة" بزيادة قرفة زي ما بتعشقها.
رصيت السفرة لسبعة.. ولعت الشمع.. وقعدت استنى.
​عدت ساعة.. اتنين.. أربعة.
والبيت ساكت سكوت مرعب.. قعدت على راس السفرة ومسحت دموعي بمنديل كنت كاوياه الصبح عشانهم.. ولسه بقوم ألم الأكل، سمعت خبط على الباب.
فتحت، لقيت ظابط شرطة واقف قدامي.. في إيده ورقة مطبقة وعليها اسمي.. من غير ولا كلمة، مد إيده وادهالي.
​إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحها.. وأول ما عيني جت على أول سطر.. جسمي كله نمل، ومبقتش حاسة بوجودي.
السطر الأول كان مكتوب بخط إيد مهزوز، خط "سارة" بنتي الكبيرة: "
ماما.. إحنا آسفين، بس كان لازم الحقيقة تبان النهاردة."
​وقعت من طولى على الكرسي والظابط ساندني، وبدأت أقرا والبصيرة بتغيب عني.. الورقة مكنتش بلاغ عن حادثة، دي كانت اعتراف جماعي.. "محمود" كاتب إنه مديون بمبالغ مكنتش أتخيلها، و"ياسين" ساب شغله من ست شهور ومخبي عليا، وكلهم، الستة بلا استثناء، كانوا متجمعين في بيت واحد بعيد عني بيفكروا إزاي يبيعوا البيت اللي شقيت فيه عشان يسددوا ديونهم.
​الظابط نطق فجأة بصوت واطي: "يا مدام، ولادك مش جايين.. هما دلوقتي في القسم، اتمسكوا وهما بيحاولوا يزوروا إمضتك على عقود بيع البيت عشان يلحقوا نفسهم قبل ما يتحبسوا."
​الدنيا لفت بيا.. الأكل اللي عملته وبرد على السفرة، الشمع اللي ساح وانطفى، والتضحية اللي ضاعت في الهوا.. البيت اللي كنت خايفة عليه يفضى، طلعوا هما اللي عايزين يهدوه فوق راسي.
​بصيت للظابط وقلت له بكلمات طالعة بالعافية: "يعني مفيش حد فيهم افتكر إن النهاردة عيد ميلادي؟"
الظابط نزل عينه في الأرض وسكت.. وفي اللحظة دي، عرفت إن البيت مش صامت وبس، البيت ده مات من زمان، وأنا الوحيدة اللي كنت بحاول أصحي جثته.
الظابط سابني ومشى بعد ما رماني في نار الحقيقة، وقفلت الباب ورايا بترعش.. بصيت للسفرة، للأطباق اللي رصيتها بحب، للفطيرة اللي سارة كانت بتموت فيها، وضحكت.. ضحكت بوجع يقطع القلب.
​فجأة تليفوني رن، كان رقم
غريب.. رديت وأنا حاسة إن روحي بتتسحب مني.
​صوت غريب: "يا مدام.. أنا المحامي اللي ولادك لجأوا له عشان يخلصوا موضوع البيت.. أنا ضميري مأنبني، ولادك مش بس عايزين يبيعوا البيت، ولادك باعوا نصيبهم لتاجر عقارات ملوش ملامح، والتاجر ده جاي يطردك الصبح.. هما قبضوا التمن وهربوا كلهم على برا، سابوا لك الورقة مع الظابط عشان يضمنوا إنك مش هتعرفي توصلي لهم قبل ما الطيارة تطلع."
​رميت التليفون من إيدي.. يعني السكوت اللي في البيت مكنش صدفة، ده كان سكوت "الغدر".. ولادي الستة اللي شيلتهم في عيني، اللي كنت ببات جعانة عشان يشبعوا، اتفقوا عليا في يوم ميلادي.. كافؤوني بإنهم يرموني في الشارع.
​النور قطع فجأة في المنطقة كلها، والبيت بقى كأنه قبر.. وفجأة سمعت صوت مفتاح بيلف في الباب البراني.. قمت وقفت وقلبي بيدق زي الطبل، هل حد فيهم رجع؟ هل ضميرهم صحي؟
​الباب اتفتح ببطء، وظهر خيال راجل ضخم، مش ولادي خالص.. ده "التاجر" اللي اشترى البيت، وواقف وبصوت غليظ بيقول:
"يا ست الكل.. اجهزي، ولادك قبضوا التمن، والبيت ده من اللحظة دي مابقاش بتاعك.. قدامك ساعة واحدة تلمي فيها هدومك، وإلا هرميها لك في الشارع!"
​وقفت في وسط الضلمة، بصيت لصورهم اللي مالية الحيطان، ولعنت اللحظة اللي ضحيت فيها بصحتي وعمري عشان عيال ميسووش.. مسحت دموعي، وخدت السكينة اللي كنت بقطع بيها الفطيرة، ووقفت
قدام الباب.. وقلت بصوت مسموع:

تم نسخ الرابط