خوف الام حكايات صافي هاني
"البيت ده أنا اللي بنيته.. ومحدش هيخرج منه حي.. لا أنا.. ولا أنتوا!"
التاجر خطى خطوة جوه الصالة، وعلى وشه ابتسامة صفرا مستفزة، وهو بيقلب في إيده سلسلة مفاتيح البيت: "يا حاجة استهدي بالله، ملوش لزوم الكلام ده، ولادك استلموا الشيكات وزمانهم بقوا فوق السحاب.. يعني مفيش حد هيسمع صوتك."
قربت منه والسكينة في إيدي مستخبية ورا ضهري، ونظرتي كانت كفيلة تخلي أي حد يقلق، بس هو كان فاكرني مجرد ست عجوزة مكسورة الجناح.. سألته بصوت هادي يسبق العاصفة: "بعوني بكام يا متر؟ بعوا شقايا وتعب السنين بكام؟"
ضحك بصوت عالي وهو بيبص لساعته: "باعترافهم.. قالوا إنك كبرتي ومبقتيش فاهمة حاجة، وإن البيت ده خسارة يفضل لواحدة زيك.. بعوا العمر كله بتمن شقة في دبي وتذكرة سفر."
في اللحظة دي، مسمعتش صوت غير غليان الدم في عروقي.. النور فجأة رجع، وكأنه كان عايزني أشوف ملامحه بوضوح.. رفعت إيدي بالسكينة، بس قبل ما أتحرك، صوت فرامل عربية صرخت قدام البيت.. وصوت سارينة بوليس تانية قلبت المنطقة.
الباب اتفتح بعنف، ودخل "محمود" ابني الكبير، هدومه متقطعة، ووشه كله دم، ووراه اتنين رجالة شكلهم ميريحش.. محمود وقع تحت رجلي وهو بيصرخ: "الحقيني يا أمي! الــات نصبوا عليا، خدوا مني الفلوس وعايزين يقتــلوني!"
التاجر وشه جاب ألوان، والرجالة اللي دخلوا طلعوا طبنجاتهم وصوبوها على الكل.. وبقيت أنا، الأم اللي كانت بتحتفل بعيد ميلادها، واقفة في وسط معركة بين ولاد غدارين وتجار دم.. والظابط اللي كان عندي من شوية دخل تاني، بس المرة دي كان معاه قوة وصوب سلاحه على الكل وهو بيصرخ: "محدش يتحرك! المكان كله محاصر!"
بصيت لولادي
محمود بصلي بذهول وهو مش مصدق، وأنا كملت بضحكة مرعبة: "كنتوا فاكرين الأم اللي ربت ستة لوحدها هبلة؟ أنا اللي سحبتكم لليوم ده، عشان ألمكم كلكم في حتة واحدة.. وأسلمكم بإيدي.. كل سنة وأنا طيبة يا ولاد!"
محمود وقع في الأرض مذهول، الكلبشات في إيده وصوته مش طالع.. سارة وباقي ولادي كانوا واقفين وراه، وشوشهم صفرا زي الورق، مش مصدقين إن "الست العجوزة" اللي استضعفوها هي اللي نصبت لهم الفخ ده كله.
الظابط شاور للعساكر: "لموا الليلة دي كلها على البوكس.. والتاجر ده أولهم."
التاجر كان بيحاول يزعق ويقول إنه ملوش دعوة وإنه شاري قانوني، بس الظابط أداله نظرة سكتته: "عقودك دي تبلها وتشرب ميتها، إحنا مراقبين المكالمات وعارفين إنك داخل ببلطجية عشان تخرج ست بيت من ملكها بالقوة.. شرفتنا يا متر."
وهما بيسحبوهم لبره، محمود بصلي ودموعه نازلة: "بعتينا يا أمي؟ بعتي ولادك عشان حتة بيت؟"
قربت منه، وطيت على ودنه وهمست بصوت زي فحيح الحية: "أنا مبعتش ولادي.. أنا ماليش ولاد.. ولادي ماتوا يوم ما فكروا يبيعوا اللقمة اللي شقيت عشانها.. أنا بلغت عنكم عشان أحمي نفسي منكم.. السجن أأمن مكان ليكم وليا."
خرجوا كلهم، والصمت رجع تاني ينهش في حيطان البيت.. بس المرة دي
رجعت قعدت على السفرة، البيت بقى فاضي بجد.. بصيت للتورتة اللي عليها رقم 60، ولعت شمعة واحدة بس، وبصيت لخيالي في المراية.. كنت شاحبة، مكسورة، بس عيني فيها لمعة غريبة.
فجأة، سمعت صوت حركة جاية من المطبخ.. قمت ببطء، قلبي رجع يدق تاني.. "مين هنا؟" مفيش رد.
دخلت المطبخ وأنا ماسكة فازة ورد تقيلة، ولقيت الشباك مفتوح والمطر بيغرق الأرض.. وبصيت لقيت ورقة تانية محطوطة على الرخامة، بس المرة دي مكنتش من البوليس ولا من ولادي.
فتحتها وأنا إيدي بتترعش، كان مكتوب فيها: "كنت عارف إنك هتعملي كدة.. عشان كدة أنا مظهرتش مع السبعة اللي كانوا على السفرة.. أنا كنت مستني اللحظة دي من سنين.. كل سنة وأنتي طيبة يا 'ماما'.. الحساب لسه مخلصش."
الورقة كانت ممضية باسم "الابن السابع".. الابن اللي الكل نسي إنه موجود، اللي أبوه خده وسافر بيه من تلاتين سنة.. اللي راجع النهاردة مش عشان يبيع البيت، لكن عشان ياخد حق سنين الحرمان!
وفي اللحظة دي، النور قطع تاني.. وحسيت بنفس دافي ورا ودني وصوت بيهمس: "وحشتيني قوي يا أمي."
اتصلب جسمي مكاني، والبرد سكن في ضلوعي.. النفس اللي ورا ودني كان تقيل، مليان غل وسنين من الانتظار. لفيت ببطء وأنا حاسة إن الأرض بتهتز تحت رجلي، وشفت خياله مرسوم في الضلمة، طويل وضخم، ملامحه نسخة من أبوه اللي دمر حياتي زمان.
أنا: (بصوت مخنوق) "عمر؟ إنت عايش؟"
عمر: (ضحك ضحكة باردة خلت شعري يقف) "عايش؟ أنا كنت ميت يا أمي.. ميت في الغربة، ميت وأنا بشوف صور إخواتي الستة وهما بيتدلعوا في حضنك وأنا مرمي في بلاد الله مع راجل مكنش بيعرف غير القسوة.. النهاردة
طلع كبريت وولع شمعة من اللي كانوا على الرخامة، الضوء عكس وش مليان ندوب، وعينين مفيش فيها ذرة رحمة.
عمر: "كنت مراقبكم من شهور.. شفت غدرهم، وشفت ذكاءك وإنتي بتوقعي بيهم.. عجبني قوي اللي عملتيه، طالعة لآبويا في التخطيط.. بس الفرق إنك المرة دي لوحدك، مفيش بوليس هيحاميلك مني، لأن قانوناً.. أنا ماليش وجود في الدفاتر دي."
أنا: "يا ابني أنا مكنش بإيدي.. أبوك خطفك مني وأنا لسه مخلفة "سارة".. قلبت عليك الدنيا وملقيتش أثر!"
عمر: "مش فارق يا أمي.. الأعذار دي متبنيش سنين ضاعت.. البيت ده اللي كنتي عايزة تحميه من إخواتي؟ أنا مش هبيعه.. أنا هحرقه.. هحرقه بيكي وبذكرياتك وبكل حاجة، عشان نبدأ من جديد.. يا إما نخلص سوا."
طلع من جيبه "ولاعة" وفتحها، النور بتاعها كان بيرقص في عينيه بجنون، وبدأ يرمي جاز من قزازة كانت معاه على عفش المطبخ.. النار بدأت تمسك في الستاير بسرعة الصاروخ، والدخان بدأ يخنق المكان.
عمر: "قدامك فرصة واحدة.. يا تخرجي معايا دلوقتي وتنسي إن كان ليكي ولاد تانين، ونعيش باللي فاضل من فلوس أبويا بره مصر.. يا تفضلي هنا مع بيتك اللي فضلتيه عليا."
صوت النار وهي بتاكل في الخشب كان بيعلى، وصوت سارينة البوليس اللي كانت بتبعد بدأ يختفي.. وقفت في النص، بين نار ابني اللي راجع ينتقم، وبين رماد حياتي اللي بتنهار.. وبصيت له وقلت له جملة واحدة:
أنا: "إنت فاكر إن اللي رمت ستة في السجن عشان يحترموا شقاها.. هتخاف من النار يا عمر؟"
مديت إيدي وفتحت محبس الغاز على آخره، والابتسامة رجعت لوشي من تاني.. وقبل ما يستوعب اللي بيحصل، قلت له:
"أنا استنيت 60 سنة عشان اللحظة