خطيبتي اتجوزت ابويا حكايات صافي هاني
بيحبهم.
من يومها وأنا عايش بفلوسه، بس حاسس إني أفقر إنسان في الدنيا. مريم سافرت هي كمان، وكل اللي فاضل لي منها هو ذكرى وجع.. وسؤال بياكل في قلبي كل يوم هل كان يستاهل؟
مرت سنتين على اليوم ده.
حاولت أدور عليها في كل مكان، بس مريم كأنها فص ملح وداب. الفلوس اللي سابها أبويا كانت بتبني لي مستقبل، بس كانت بتهدم في روحي كل يوم. كنت بحس إن كل قرش بصرفه فيه طعم مر، طعم الوجع اللي هي عاشته.
في يوم، كنت قاعد في كنيسة قديمة في المنيا، المكان اللي كنا بنحلم نتجوز فيه زمان. ووسط الزحمة، شفتها. كانت قاعدة في آخر دكة، لابسة أسود، وماسكة في إيدها طفل صغير.. طفل ملامحه كانت نسخة مني.
رجلي شالتني ورحت ناحيتها بذهول. مريم بصت لي، وعينيها اتملت دموع،
ده ابني؟ سألتها وصوتي بيقطع.
هزت راسها وقالت ده رامي.. سميته على اسم أبوك عشان أقدر أسامحه.. وأسامح نفسي.
عرفت وقتها إنها لما اختفت، كانت حامل. كانت شايلة سر تالت فوق كتافها، واختارت تبعد عشان متجبرنيش أربي ابني وأنا شايف فيه غلطة أبويا، أو عشان متفكرنيش بالثمن اللي اندفع.
قعدت جنبها، ومسكت إيدها لأول مرة من سنين. مكنش فيه كلام يتقال، ولا فيه أسف هيداوي اللي فات. بس بصيت للطفل وقلت لها المرة دي مش هسمح لحد يضحي عشان حد.. إحنا هنعيش لبعض، مهما كان الثمن.
مريم مالت براسها على كتفي، وفي اللحظة دي بس، حسيت إن الجنازة اللي بدأت يوم فرحها على أبويا، انتهت أخيراً.. وإن النهاردة هو أول
الطفل الصغير شد قميصي وهو بيضحك، وكأن ضحكته كانت الإشارة إن الماضي خلاص مات.
خدتهم وخرجنا من الكنيسة، والسكتة اللي كانت بينا طول الطريق مكنتش سكتة خوف، كانت سكتة اتنين بيحاولوا يستوعبوا إن الكابوس خلص. روحنا قعدنا على النيل، ومريم بدأت تحكي لي إن أبويا كان بيبعت لها فلوس كل شهر لغاية ما مات من ست شهور، وإنه ساب لها رسالة أخيرة بيطلب فيها إنها تسامحه، ويقول لها إن مينا يستحق فرصة تانية.
بصيت لمريم وقلت لها
أنا مش عايز فلوس، ولا عايز ورث.. أنا عايز نفتح صفحة مفيهاش ريحة الوجع ده. إبراهيم الصغير ده ملوش ذنب يشيل شيلة الكبار.
مريم ابتسمت بوجع وقالت
تفتكر الناس هترحمنا يا مينا؟ تفتكر لما يعرفوا إن ابني هو ابنك،
قاطعتها وحطيت إيدي على بوقها
الناس مش هتعرف غير اللي إحنا عايزينه.. إحنا هننقل مكان جديد، هنبدأ من الصفر، وإبراهيم ده هيكون ابننا اللي جه بعد صبر. الماضي ده هندفنه هنا في الماية دي.
وفعلاً، بعت كل الأملاك اللي سابها أبويا، واتبرعت بنصها للملاجئ عشان أطهر الفلوس دي من أي ذنب، وبالباقي بدأت مشروع صغير في مدينة بعيدة محدش يعرفنا فيها.
النهاردة، وأنا واقف ببص لمريم وهي بتلعب مع مينا في جنينة بيتنا، عرفت إن الحب مش بس مشاعر حلوة.. الحب هو قدرة على الغفران.
أبويا غلط، بس مريم أنقذتني، وأنا قررت أنقذ اللي فاضل مننا. الحكاية بدأت بكسرة قلب، بس انتهت بإننا بقينا عيلة.. عيلة حقيقية، قوية بالوجع اللي عاشته، وصامدة بالحب