ابنها مستعر منها حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

ابني بعتني لوكيشن غلط في آخر الدنيا، تلات ساعات مشوار في الهلأ، كل ده عشان فستاني اللي شرياه مستعمل ميكسفهوش قدام نسايبه الأكابر. بس لما وصلت وحطيت حاجة صغيرة قدامه على التربيزة... إيده بدأت تترعش من الصدمة.
عمري ما تخيلت إن الواد اللي كبرته بطلوع الروح، وبشغلانتيّن في اليوم ولقمة ناشفة، ييجي عليه يوم ويخجل مني.
كنت قاعدة في عربيتي الفيات القديمة قدام مخزن مهجور ومقفول في وسط الخلا، والدهان مقشر والسكوت مرعب، وهناك بس فهمت الحقيقة المرة.. ابني ضحك عليا واداني عنوان غلط.
في نفس اليوم ده، محمود كان بيتجوز نورهان.. بنت حوت كبير في السوق. بقاله شهور يلمحلي إن الفرح هاي كلاس وإن الناس هناك ليهم لفل معين، وبطريقة شيك كان بيقنعني أقعد في البيت أحسن. بس أنا نزلت اشتريت فستان كحلي بسيط من الوكالة، غسلته بإيدي ونشرته، ونزلت مع أول ضوء للفجر.
كنت عايزة بس أفرح بيه، أشوف ابني وهو عريس.
بدل ده، لقيت نفسي واقفة في مقطعة، وعرفت إنه مش عايزني حتى أقرب من عالمه الجديد.
بكيّت؟ أيوه بكيت.
بس مفرهدتش ولا رجعت.
بإيد بتترعش، دورت على العنوان الصح ولقيته.. فندق الريتز في وسط البلد، فخامة ميوصلهاش

إلا المحظوظين. لفيّت العربية وطريرت بيها تحت المطر، كنت دايسة بنزين وعنيا مش شايفة من الدموع والعاصفة. لما الكاوتش فرقع، كملت على قد ما قدرت.. وبعدين مشيت آخر أربعة شوارع كعب داير في الطين والمطر، فستاني غرق وشوزي باظت خالص.
لما وصلت لقاعة الفرح، كنت واحدة تانية خالص، متبهدلة لآخر درجة.
فتحت باب القاعة الدهب، والمزيكا وقفت فجأة. يجي متين واحد شيك جداً بصوا عليا باستغراب.. ست غرقانة وهدومها قديمة وواقفة في وسط العز ده كله.
وهنا محمود شافني.
وشه بقى زي الورقة البيضا، وقام مفزوع لدرجة إن الكرسي عمل صوت عالي على الأرض.
مترددتش ثانية.
مشيت بخطوات ثابتة لحد تربيزته، عديت من جنب العروسة اللي كانت مبرقة، وحطيت مفاجأة صغيرة على طبقه اللي بيلمع.
بص للحاجة اللي حطيتها.. وبعدين بصلي.
إيده بدأت تتنفض.
أمي.. إنتي جبتي دي منين؟
بص في عيني والدموع محبوسة، والصمت في القاعة بقى يذبح. الحاجة اللي حطيتها على الطبق كانت ساعة جيب قديمة، متخرشة ومصدية، بس صورتي أنا وأبوه الله يرحمه كانت لسه جواها.
دي كانت أمانة أبوك يا محمود.. قالي يوم فرحه هاتيها له، عشان يفتكر إنه ابن أصول مهما الدنيا عليت
بيه.
محمود مكنش قادر ينطق، عينه كانت بتلف في القاعة، بيبص لنسايبه اللي بدأوا يتهامسوا، وبيبص لمنظري وأنا متبهدلة من الطين والمطر. العروسة قربت وبصت بقرف وقالت محمود، مين الست دي؟ وإيه القرف اللي حطته ده؟
هنا محمود وشه جاب ألوان، وبدل ما ياخدني في حضنه ويقول دي أمي، قال بصوت واطي ومكسور دي.. دي كانت الشغالة عندنا زمان، أكيد جاية تبارك.
الكلمة نزلت عليا زي السكينة. بصيت له بابتسامة وجع وقربت من ودنه وقلت له الشغالة اللي طفحت الكوتة عشان تبقى باشا، النهاردة استقالت يا سيادة الباشا.. مبروك عليك عيلتك الجديدة اللي بتشتريها بالكدب.
سبت الساعة على التربيزة، ولفيت ضهري وخرجت. وأنا ماشية في ممر القاعة، كنت حاسة إني برمي حمل تقيل كان على كتافي سنين. طلعت بره، المطر كان لسه بينزل، بس المرة دي كان بيغسل وجعي.
ركبت عربيتي القديمة، ودورتها، ومشيت وأنا عارفة إن اللي بيبيع أصله، عمره ما بيكسب نفسه، حتى لو اتجوز بنت السلطان.
وأنا ماشية رايحة على الباب، فجأة سمعت صوت شخط عالي هز القاعة محمود! استنى عندك!
الصوت مكنش صوت محمود، ده كان صوت حماة محمود، الست اللي الكل بيعملها ألف حساب. قامت
من مكانها ومشيت بخطوات واثقة لحد ما وصلت لمحمود، وبصت للساعة اللي على الطبق، وبعدين بصت لي وأنا لسه على الباب.
القاعة كلها كتمت نفسها. محمود كان بيترعش وقال بتلعثم يا طنط أنا هخلي الأمن يخرجها، دي ست مجنونة كانت...
قاطعته بقلم نزل على وشه رن في القاعة كلها. الذهول شلّ الكل، وحماته قالت بصوت زي الكرباج أنا اللي مجنونة إني كنت هوافق أجوز بنتي لواحد واطي زيك.. الست دي أنا عارفاها كويس، والمنظر اللي إنت شايفه ده، ده شرف مش كَسفة!
اتضح إن الست دي حماة محمود كانت زمان زبونة عندي في المحل الصغير اللي كنت بشتغل فيه بليل عشان أكفي مصاريف تعليم البيه. كانت عارفة قصة كفاحي، وعارفة إن الساعة دي كانت أغلى ما أملك وبِعت دهبي كله عشان محمود يكمل تعليمه وما يمدش إيده لحد.
بصت لبنتها وقالتلها اطلعي اقلعي الفستان ده يا نورهان، الجوازة دي مش هتتم. اللي يبيع أمه عشان حتة فستان وشوية منظرة، يبيع مراته وعياله في أول محطة.
محمود انهار، حاول يمسك إيدي وهو بيعيط يا أمي سامحيني، والله كنت خايف يرفضوني.. أنا عملت كل ده عشان أبني مستقبلي.
سحبت إيدي منه بهدوء، وبصيت له لآخر مرة وقلت له المستقبل اللي
يتبني على جثة كرامة أمك،
تم نسخ الرابط