ابنها مستعر منها حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

يبقى قصر من رمل.. اتهنى بمستقبلك يا ابن بطني، بس الساعة دي خديها معاك، عشان كل ما تبص فيها، تفتكر إنك بعت اللي ضحت بعمرها عشانك ب بلاش.
خرجت من الفندق، وركبت عربيتي المكركبة، وطلعت سيجارة لو كنت بدخن أو أخدت نفس طويل من هوا ربنا، ومشيت وأنا حاسة إني حرة.. لأول مرة من سنين، مش شايلة هم حد، ولا خايفة على زعل حد.
الدرس كان قاسي، بس علمني إن اللي ميقدرش التراب اللي مشيتي عليه، ملوش مكان في الجنة اللي تحت رجليكي.
بعد ما خرجت، محمود جرى ورايا في المطر وهو لابس البدلة اللي بآلاف الجنيهات، عمال يصرخ يا أمي استني! يا أمي والله هصلح كل حاجة!
وقفت العربية وفتحت الشباك نص فتحة، بصيت لمنظره وهو مبهدل تحت المطر، منظره كان يصعب على الكافر، بس قلبي المرة دي كان زي الحجر. قالي وهو بيعيط الفرح اتلغى.. نورهان سابتني وأبوها طردني من الشركة.. أنا ضعت يا أمي، ماليش غيرك، سامحيني واركبي معايا.
بصيت له ببرود وقلت له تصدق يا محمود،
وأنا جاية في الطريق والكاوتش فرقع بيا، كنت بدعي ربنا إنه ينجيني عشان ألحقك، عشان خايفة تفتقدني في يوم زي ده. بس وأنا خارجة من القاعة دلوقتي، كنت بدعي ربنا يسامحني إني ربيتك على إن المظاهر أهم من النفوس.
حاول يفتح باب العربية، قفلته بالسنتر لوك.
يا أمي هروح فين؟ أنا خسرت كل حاجة في لحظة!
قلت له إنت مخسرتش حاجة يا ابني، إنت انكشفت، وده أحسن نصيب ممكن تاخده اليومين دول. روح دور على اللوكشن اللي بعتهولي الصبح، المخزن المهجور اللي في آخر الدنيا.. يمكن تلاقي هناك نفسك اللي ضاعت منك وأنت بتجري ورا الفلوس. أنا بيتي مبيسكنوش غريب، وأنت بقيت غريب عني.
دوّرت العربية ومشيت، سبته في المراية بيصغر ويصغر لحد ما اختفى في الضلمة والمطر.
رجعت بيتي البسيط، قلعت الفستان المبلول، عملت كوباية شاي بمرامية، وقعدت قدام التلفزيون. لأول مرة من سنين أحس براحة، مفيش ضغط، مفيش محايلة عشان عيل يرضى عني، ومفيش كسفة من فستان قديم.
الخلاصة
في
ناس فاكرة إن الأصل ده لبس وشياكة، بس الحقيقة إن الأصل هو اللي بيخليك واقف صلب لما الدنيا كلها تتهد فوق دماغك. ومحمود؟ محمود النهاردة اتعلم إن الزواق بيتمسح بأول شوية مطر، بس الرضا هو اللي بيعيش.
فات أسبوع على الليلة دي، وأنا قاعدة في شقتي البسيطة، الباب خبط.
فتحت لقيت نورهان العروسة ومعاها مامتها. استغربت جداً، كنت فاكرة إنهم جايين يلوموني أو يكملوا اللي حصل، بس لقيت الأم بتمسك إيدي وبتبوسها وهي بتقول أنا جاية أشكرك يا ست الكل.. إنتي مش بس فوقتي محمود، إنتي أنقذتي بنتي من إنسان كان هيعيش عمره كله بيمثل عليها، وكان أول ما الدنيا تضيق بيه، هيبيعها زي ما باعك.
نورهان كانت واقفة مكسوفة، بصت لي وقالت أنا آسفة على أي نظرة بصيتهالك في القاعة، أنا مكنتش فاهمة إنك الجبل اللي سنده طول السنين دي.
عرفت منهم إن محمود ساب الشقة اللي كان مأجرها في الكومباوند عشان مكنش قادر يدفع قسطها بعد ما اتطرد من الشغل، ورجع سكن في أوضة
مفروشة، وبيحاول يدور على شغل من أول وجديد بس المرة دي بشهادته بجد، مش ب وسايط حماه.
بعد شهر، جالي تليفون من رقم غريب. كان محمود.
صوته كان هادي، تعبان، ومفهوش النبرة المتعالية بتاعة زمان.
يا أمي.. أنا اشتغلت مهندس في موقع في الصحراء، بعيد عن المنظرة والكذب. لسه مش قادر أبص في المراية، بس كل ليلة بطلع الساعة بتاعة أبويا وأبص في صورتكم، وبحاول أتعلم أكون راجل بجد.
محاولش يطلب يرجع، ولا طلب فلوس. قال لي بس أنا مش طالب تسامحيني دلوقتي، أنا بس عايزك تعرفي إن الشغالة اللي قولت عليها دي، هي الحاجة الوحيدة اللي تشرفني في السيرة الذاتية بتاعتي.
قفلت السكة وأنا مبتسمة.. مش عشان شمتانة فيه، لا سمح الله، الأم عمرها ما تشمت في ضناها. بس عشان أخيراً بدأت أحس إن التربية اللي تعبت فيها بدأت تظهر، حتى لو جت متأخر وبعد وجع قلب.
الدنيا لفت، ومحمود عرف إن العز مش في القصور، العز في إنك تقدر تنام بالليل وإنت مش خجلان من اليد اللي
شقيت عشان تبنيك.
تمت.

تم نسخ الرابط