غضب المليونير حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

كانت "ميدالية" مفاتيح قديمة عليها صورة راجل، غالباً جوزها اللي ميت. مسحتها في لبسها وبستها ورجعتها مكانها.
​في اللحظة دي، تليفون ياسين رن في جيبه. كانت چيچي.
رد بصوت واطي ومهزوز: "أيوة يا چيچي.."
چيچي قالت بدلع وبرود: "ياسين خلاص متتعبش نفسك، الخاتم كان واقع ورا الكومودينو في الحمام، الخدامة ملهاش دعوة، ابقى قول لها تنضف بكرة كويس بقى باي!"
​ياسين نزل التليفون من على ودنه وهو مش مصدق. بص على هدومه الغالية، على ساعته، على جزمته اللي تمنها يبني للناس دي بيت، وبص على أم نورا اللي كانت بتأكل بنتها بلقمة مبلولة مية عشان تطرى.
​حس إنه صغير.. صغير أوي.
ياسين "المليونير" اللي فاكر إنه شاري الدنيا، اكتشف إنه أفقر واحد في المكان ده.
رجليه مشلتهوش، وجثى على ركبتيه قدام الباب الخشب المكسر، ودفن وشه في إيديه وبدأ يعيط بحرقة.. مش بس عشان ظلمها، لكن عشان لأول مرة في حياته يشوف "الولاء والحب" الحقيقي اللي مبيتشتريش بفلوس، في كيس بواقي أكل على ترابيزة خشب قديمة.
ياسين فضل مكانه على الأرض، مش قادر
يرفع عينه في الباب اللي كان ناوي يكسره من لحظات. الغرور اللي كان ساند ضهره سنين انهار كله في ثانية.
​مسح وشه وقام وقف، بس المرة دي مكنش "ياسين بيه"، كان مجرد إنسان مكسور. خبط على الباب براحة أوي، وكأنه بيستأذن يدخل جنة مش بيقتحم عشة.
​أم نورا اتخضت وقامت وقفت بسرعة، وبدأت تداري الأكل بجسمها وهي مرعوبة: "ياسين بيه! والله يا بيه أنا.. أنا بس.."
​ياسين قاطعها وصوته مخنوق: "أنا اللي آسف يا أم نورا.. أنا اللي آسف."
​بص للبنت الصغيرة اللي كانت بتبص له بخوف، طلع محفظته، وبص للفلوس اللي فيها، حس إنها ورق ملوش قيمة. طلع رزمة كبيرة وحطها على الترابيزة جنب بواقي الأكل، بس رجع سحبها تاني بسرعة لما حس إن الحركة دي بتهين كرامتها أكتر.
​نزل لمستوى البنت الصغيرة، وقال لها: "نورا.. بكره الصبح فيه أكبر دكتور في مصر هييجي يشوف رجلك دي، وهتخفي وهتبقي زي الفل."
​بص لأم نورا وقال بلهجة مكسورة مسمعتهاش منه في تلات سنين: "من بكرة، انتي مش هتيجي الفيلا تاني.. بس مرتبك هيوصلك لحد البيت ومضاعف، وممنوع أشوفك
بتمدي إيدك على بواقي أكل تاني.. فاهمة؟"
​خرج ياسين من البيت وهو مش شايف قدامه من كتر الدموع. ركب عربيتها الـ "مرسيدس" اللي كان فاكرها رمز لقوته، ودور الموتور، بس المرة دي مكنش راجع التجمع الخامس.. كان راجع يعيد حسابات حياته كلها.
​في الطريق، قلع الساعة الغالية من إيده ورماها في الكرسي اللي جنبه، وبص في المراية وقال لنفسه: "يا خسارة يا ياسين.. طلعت عايش في أبراج قزاز، وقلبك هو اللي كان محتاج يترمم مش العقارات."
​ومن اليوم ده، ياسين مبقاش المطور العقاري اللي بيبني حيطان.. بقى الإنسان اللي بيحاول يرمم القلوب اللي كسرها غروره.
ياسين رجع بيته، بس المرة دي الفيلا كانت في عينيه وسيعة وفاضية، كأنها "تلاجة" كبيرة مفيش فيها روح.
​أول ما دخل، چيچي كانت قاعدة بتشرب القهوة وبتبص في الموبايل، ورفعت عينيها ببرود وقالت: "إيه يا ياسين؟ اتأخرت ليه؟ يالا غير هدومك عشان نلحق العزومة، والخدامة دي لازم تمشي، أنا مش مرتاحة لوجودها بعد اللي حصل."
​ياسين بص لها بنظرة غريبة، نظرة واحد شاف الحقيقة لأول مرة،
وقال بصوت هادي ومرعب: "فعلاً.. هي مش هتيجي هنا تاني.. ولا إنتي كمان."
​چيچي اتصدمت: "إنت بتقول إيه؟ إنت اتجننت يا ياسين؟"
​ياسين سابها تتكلم وطلع مكتبه، مسك تليفونه وكلم السكرتير بتاعه: "إسمعني كويس.. بكرة الصبح تعمل "معاش" محترم باسم الست اللي كانت شغالة في البيت، وتفتح حساب باسم بنتها "نورا" للتعليم والعلاج، والبيت اللي هما فيه ده يتهد ويتبني مكانه بيت بني آدمين.. والفيلا بتاعتي دي؟ اعرضها للبيع، أنا مش عايز أسكن في مكان بيفكرني إني كنت أعمى."
​نزل ياسين قعد في الجنينة، وبص للسما.. لأول مرة يحس إنه "خفيف".
الغرور كان حمل تقيل أوي ونزل من على كتافه.
افتكر ضحكة البنت الصغيرة وهي بتاكل "بواقي الفراخ" بلهفة، ففهم إن السعادة مش في امتلاك "الألماط"، السعادة في إنك تكون "إنسان" في عين ناس ملهومش حد غير ربنا.
​ومن الليلة دي، ياسين مابقاش يدور على "الأبراج الزجاجية" عشان يعليها، بقى يدور على "البيوت المدارية" عشان يسندها.. واكتشف إن ملمس "الخرسانة" في بيت غلبان، أدفى بكتير من ملمس "الرخام"
في قصر مهجور من الرحمة.

تم نسخ الرابط