طرد الارمله حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

في حاجتها وهي بتبرطم بقى الحتة دي تخرجنا من بيتنا؟ بقى اللي كانت بتخدمنا بلقمتها تذلنا؟
مريم بصت لها وقالت أنا عمري ما ذليت حد، أنا كنت بخدمكم بما يرضي الله عشان خاطر رأفت، لكن أنتم اللي نسيتوا الأصول ونسيتوا إن الدنيا دوارة. اللي حصل امبارح كان كفاية يوريني معدنكم.
دخلت مريم بيتها وقفلته عليها وعلى عيالها، ولأول مرة من يوم وفاة جوزها تحس بالأمان. ياسين ابنها قرب منها وباس إيدها وقالها يا ماما، أنا مش مصدق إننا رجعنا بيتنا.
طبطبت عليه وقالتله حقكم رجع يا حبيبي، وأبوكم الله يرحمه كان عارف إنه سايب وراه وحوش، فساب لنا السلاح اللي ندافع بيه عن نفسنا.
بعد أسبوع، عثمان حاول يبعت ناس من كبار البلد عشان يضغطوا على مريم تتنازل عن جزء من البيت، بس مريم كانت أذكى. جمعت كبار العيلة وقعدت معاهم وحطت الورق قدامهم وقالت أنا مش ظالمة، أنا هسيب حمايا وحماتي يعيشوا في الشقة الصغيرة اللي فوق، بشرط يمضوا على تعهد بعدم التعرض ليا ولا لعيالي، والبيت يفضل باسمي واسم عيالي.. أنا بصون العيش والملح اللي هما خانوه، وبنفذ وصية رأفت إني ملمهمش في كبرهم رغم كل اللي عملوه.
الكل شهد بجدعنة مريم وعقلها، وعثمان وكريمة رجعوا البيت بس المرة دي ضيوف مكسورين الجناح، ملهومش كلمة ولا سلطة، يعيشوا ويشوفوا مريم وهي
بتكبر عيالها وبدير المحل وتكبره، وتثبت للكل إن الست المصرية الأصيلة ب 100 راجل لما الظروف بتجبرها.
وبكده مريم مخدتش بس حقها، دي خدت وضعها وكرامتها، وعلمت عيالها إن الحق مبيضعش أبداً طالما وراه حد بيطالب بيه بذكاء وصبر.
مرت الشهور، ومريم مابقتش هي مريم الضعيفة اللي كانت بتطوي جرحها وتسكت. نزلت المحل بنفسها، وقفت وسط الصنايعية والتجار بوقار وشدة، والكل بقى بيعمل لها ألف حساب. كانت بتدير الشغل بعقل يوزن بلد، وفي نفس الوقت مابتقطعش فرض، وعينها دايماً على عيالها في دراستهم.
في يوم، الحاج عثمان وقع وتعب تعب شديد، وكريمة مكنتش قادرة تشيله ولا تخدمه، وعياله التانيين اللي كان بيتحامى فيهم كل واحد اتمسك ببيته وعياله وقال يا فكيك.
مريم رغم كل اللي عمله فيها، دخلت عليه أوضته ومعاها لقمة دافية. بص لها عثمان بكسرة وعينه دمعت وقال بصوت مبحوح بعد كل اللي عملته فيكي يا مريم؟ بتخدميني يا بنتي؟
مريم ردت عليه وهي بتعدل له المخدة أنا مش بخدمك عشان سواد عيونك يا حاج، أنا بخدمك عشان أنا متربية، وعشان رأفت الله يرحمه وصاني عليكم قبل ما يموت وقالي مهما عملوا أصلك ميغيروش. أنا بشتري آخرتي، وبورّي عيالي إن الحق بيتاخد بالقانون، بس الرحمة فوق كل شيء.
كريمة كانت واقفة عند الباب بتسمع الكلام، وانفجرت في العياط.
قربت من مريم وبست راسها وقالت لها سامحينا يا بنتي، الطمع كان عمي قلوبنا، وإنتي طلعتي أصل مننا كلنا.
ياسين، ابنها الكبير، بقى هو راجل البيت بجد. كان بيقف جنب أمه في المحل بعد مدرسته، وبقى سنده وضهرها. وفي ليلة، ومريم قاعدة وسط عيالها الستة، والبيت مليان دفء وضحك، بصت لصورة رأفت المتعلقة على الحيطة وابتسمت وقالت في سرها ارتاح يا غالي.. عيالك بقوا رجالة، وحقك وحقهم في الحفظ والصون.
الحكاية مخلصتش عند استرداد البيت، الحكاية بدأت لما مريم قدرت تبني جيل من عيالها فاهمين إن الدم مش مجرد كلمة بتتقال عشان الورث، لكن الدم هو الوفاء والأصل والستر.
وبقى بيت مريم في المنطقة معروف ب بيت الست الجدعة، اللي مكسرهاش الظلم، ولا غيرتها القوة، وعاشت عزيزة كريمة وسط ولادها، والقلم اللي انضرب لياسين زمان، بقى هو الدرس اللي خلاه م يطاطيش راسه لأي حد طول عمره.
ومع مرور السنين، ياسين كبر وبقى مهندس قد الدنيا، وإخواته كل واحد فيهم شق طريقه بنجاح؛ اللي بقى دكتور واللي بقت محامية، ومريم كانت هي العامود اللي ساند البيت كله.
في يوم فرح ياسين، البيت كان منور والزينة مالية الحتة، والحاج عثمان كان قاعد على كرسي خشب في صدر المكان، شايل ابن ياسين الصغير على حجره ويبكي من الفرحة. بص لمريم وهي ماشية وسط الضيوف زي
الملكة، وبصوت واطي قال لزوجته كريمة شفتي يا كريمة؟ الست اللي كنا عايزين نرميها في المطر، هي اللي شالتنا في عجزنا، وهي اللي رفعت راس عيلة عثمان في السماء.
كريمة ردت بدموع رأفت الله يرحمه كان أنظر مننا، عرف يختار اللي تحفظ عرضه وماله، وإحنا اللي كنا عميان.
مريم في اللحظة دي، دخلت مكتب رأفت القديم اللي لسه محتفظة بكل حاجة فيه، وطلعت العقد والملف اللي كان سبب في نجاتهم. بصت ليهم بابتسامة هادية، وقطعتهم حتت صغيرة.. خلاص، مابقاش للورق لازمة، لأن الحق مابقاش مجرد ورق، الحق بقى لحم ودم واقفين حواليها، وبقى حب الناس وسيرتها الطيبة هو الضمان الحقيقي.
ياسين دخل عليها المكتب، لقاها بتمسح دمعة هاربة من عينيها، حب على إيدها وقالها يا ست الكل، المعازيم كلهم بيسألوا عنك، الفرح مش هيكمل غير بيكي.
طلعت مريم وسندت على كتف ابنها، وبصت للسماء وهي شايفة المطر بدأ ينزل خفيف، بس المرة دي مكنش مطر خوف ولا طرد، كان مطر رزق وخير. ضحكت من قلبها وقالت يا رب، زي ما سترتها معانا، استرها مع كل ولايا الأرض.
وانتهت قصة مريم، مش بس بانتصارها على اللي ظلموها، لكن بانتصار أصلها الطيب على شر نفوسهم، وفضل بيتها مفتوح للكل، وصارت حكايتها تتوصف للناس كدرس إن الظلم ليله قصير، وإن الست الأصيلة بتبني، والنية الصافية دايمًا
بتكسب في الآخر.

تم نسخ الرابط