لقاء الساعه السوده حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

المطر كان نازل يرزع في حواري حي القلعة لدرجة إن صناديق الزبالة كانت بتتهز من قوته.
عزوز المارسيلي كان واخد رصاصتين في جسمه، وخيانة في قلبه، ومرمي ورا المخبز القديم اللي كان ملك عيلته زمان.. المكان اللي أمه كانت فاكرة إن قراءة القرآن فيه ممكن تحمي رجالة زيه.
حاول يقوم وفشل، واتزحلق على الحيطة الطوب وهو بيطلع صوت وجع يهد جبل. الوجع مكنش جديد عليه، وهو عنده 35 سنة كان بنى إمبراطورية المارسيلي وخلاها أنضف على الورق وأخطر في الحقيقة؛ مخازن شحن في المينا، وعقود ثلاجات، وحيتان كبار، ورجالة مبيفارقوش التليفون عشان بس يردوا عليه الفجر.. لأن صوت عزوز في السكة كان معناه يا فلوس بالكوم يا موته محققة.
بس الوجع المرة دي غير..
الرصاصة اللي في كتفه الشمال كانت واصلة للعظم وبتاكل فيه، والتانية قطعت ضلوعه وخلت قميصه الأبيض يتغرق دم لدرجة إن المطر اللي نازل على الرصيف بقى لونه وردي. إيده اليمين كانت فاضية، طبنجته ضاعت، وموبايله داس عليه عربية وهو بيجري من الكمين.
واللي وجعه أكتر إن منصور، أكتر واحد كان بيثق فيه، هو اللي ضحك في وشه قبل ما يدي الأمر بتصفيته. الصورة دي مكنتش بتفارق خيال عزوز؛ ضحكة منصور الباردة وهو بيقوله متاخدهاش على أعصابك يا زوز، إنت خلاص بقيت طري.
عزوز زق نفسه وخدها مشي، عدى على شوارع اسمه فيها كان بيخلي الأبواب تتقفل والستاير تنزل، لحد ما وصل ورا مخبز أمه القديم وهو مش قادر يرفع راسه. ضحك بمرارة وهو بينهج طري؟ يمكن منصور عنده حق. من ست شهور وعزوز بدأ يرفض شغل معين. لا تجارة في الممنوع اللي تأذي الغلابة، ولا بيع سموم للمدارس. هو كان بيسمي ده أصول، ومنصور

كان بيسميه ضعف.
عزوز حط إيده على جنبه وحس بالدم الدافي وهو بيسيل بين صوابعه، والشارع بدأ يميل بيه. وفي لحظة رعب، رجع طفل عنده 9 سنين تاني، مستخبي تحت ترابيزة المطبخ وأبوه بينزف على الأرض، وأمه ماسكة السبحة وبتقرأ قرآن وشفايفها بتترعش. يومها حلف إنه مش هيكون الراجل اللي يشحت روحه من حد.
ودلوقتي، وهو باصص للسما والمطر بيغسل وشه، عمل كدة بالظبط. همس وهو بيطلع روحه مش هنا.. يا رب بلاش تنتهي كدة في وسط الزبالة.
فجأة، صوت عيل صغير قطع السكون
إنت مكسور؟
عزوز اتخشب في مكانه. طفل صغير، مكملش خمس سنين، واقف على بعد خطوتين ببيجامة عليها ديناصورات وجزمة مطر صفراء بتلمع، وحاضن صندوق كرتون مبلول. شعره كان لازق على قورته من المطر، وعينيه كانت واسعة ومفيهاش خوف، بس فيها قلق.
غريزة عزوز الذيب فاقت امشي من هنا يا ولد! زأر فيه بصوته الخشن. بس الطفل متحركش. عزوز حاول يخلي صوته أرذل وأقوى بقولك غوّر على بيتكم.. دلوقتي!
الواد بَص للدم اللي مبهدل القميص، وبعدين بص في عين عزوز وقاله إنت بتعيط.
عزوز مكنش حاسس بنفسه غير لما الواد نطق. المطر كان مداري كل حاجة، إلا دمعة واحدة نزلت من الوجع والقهر وشقت طريقها وسط الطين اللي على وشه. الواد قاله بحنية متعيطش يا عمو. وقبل ما عزوز يلحق يمنعه، الواد قرب منه، حط الكرتونة على الأرض، ومسح خد عزوز بإيده الصغيرة الدافية وقاله أمي هتنقذك.
فجأة صوت ست رن من فوق سلم الحريق
يحيى!
السلم الحديد قعد يزيق تحت رجلين بتجري، وبعد ثانية واحدة، ست ظهرت من ورا المنور، لابسة لبس بسيط وغرقانة مياه، وشعرها مربوط أي كلام. التعب كان راسم سواد تحت عينيها، بس
أول ما شافت ابنها جنب عزوز، اتحولت لواحد في صاعقة.
يحيى! أنا مش قولت م تخرجش لوحدك؟ شدت الواد ورا ظهرها، وبعدين عينيها جت في عين عزوز. هنا كل حاجة اتغيرت. عزوز شاف الخوف وهو بياكل جسمها. كتافها اتشدت، وإيدها اليمين زقت يحيى لورا أكتر. عينيها بدأت تفحص عزوز بذكاء؛ من وشه لكتفه لجنبه، لبركة الدم اللي تحته، لحد ما شافت جراب المسدس الفاضي تحت الجاكتة. دي مكنتش بس خايفة، دي كانت فاهمة الليلة فيها إيه.
همست إنت متصوب.
لأ، عزوز قالها لأن الكلمة دي كانت أسهل بكتير من إنه يشرح اللي حصل.
الست بلعت ريقها وقالت أنا هطلب الإسعاف.
لا حكومة ولا إسعاف، عزوز رد بصرامة. وشها قلب وبان فيه غضب الستات اللي اتعودت تسمع أوامر من رجالة وتدوس عليها إنت مش في وضع يخليك تأمر، إنت بتموت في خرابة.
عزوز ضغط على نفسه وطلع صوته بالعافية لو طلبتيهم، الرجالة اللي عملوا فيا كدة هيعرفوا قبل ما الإسعاف توصل.. هيخلصوا عليا، وبعدين هيسألوكي إنتي ساعدتيني ليه.
المطر فضل شغال والسكوت ساد بينهم. يحيى شد هدوم أمه يا ماما، ده مكسور خالص.
يحيى، خليك ورايا.
بس إنتي بتعالجي الناس يا ماما.
الست غمضت عينيها لثانية، وعزوز فهم إنها واقفة قدام اختيار مستحيل. هو كان خبير في الناس، وعارف يقرأ العلامات كويس الجزمة الرخيصة، الهدوم القديمة، الطريقة اللي بتحسب بيها المخاطر في نظراتها. دي ست مش غنية ولا وراها حد يحميها، ومعاها طفل، والطفل ده لسه حالا لمس وش راجل أعداؤه بيقلبوا عليه الدنيا.
سألته بصوت واطي إسمك إيه؟
عزوز بص للست وهو بيغيب عن الوعي، الوجع كان خلاص بيسحب روحه، بس رد بصوت طالع من الحنجرة بالعافية
عزوز.. عزوز المارسيلي.
الست أول ما سمعت الاسم جسمها اتنفض، كأن كهربا مشيت في عروقها. مين في الحتة ميعرفش مين هو عزوز المارسيلي؟ ده اللي كلمته سيف، واللي اسمه لوحده بيقفل محلات ويفتح بيوت.
بصت ل يحيى اللي ماسك في جلبيتها، وبعدين بصت لبركة الدم اللي بقت تزيد مع كل نهجة من عزوز. مكنش قدامها وقت تفكر، وقالت بلهجة فيها حسم يحيى.. ادخل هات الملاية القديمة من الكنبة، وبسرعة!
الواد جري على جوه، وهي وطت على عزوز، مكنتش خايفة من منظره المبهدل، كانت خايفة من اللي جاي وراه. اسمعني يا ابن المارسيلي، أنا اسمي سلمى، ممرضة في المستشفى الميري.. يعني شفت موتك دي مية مرة. لو عايز تعيش، هتسند عليا وتدخل البيت، غير كدة المطر ده هيغسل جثتك قبل الفجر.
عزوز حاول يضحك بس كح دم هتدخلي عقرب بيتك يا سلمى؟
سلمى ردت وهي بتسند دراعه السليم على كتفها وبترفع جسمه التقيل بقوة مكنتش تعرف إنها عندها العقرب وهو بيموت بيبقى غلبان.. وبعدين يحيى ابني هو اللي جابك، وأنا مكسرش كلمة ابني.
دخلوا الصالة بالعافية، الحتة كانت ضيقة بس ريحتها نظافة ونار هادية. يحيى جاب الملاية، وسلمى فرشتها على الأرض بسرعة ونيمته عليها. وبدأت تشتغل بذكاء.. جابت مقص وقصت قميصه الأبيض اللي بقى خرق دم، وبدأت تطهر الجرح بقطن وسبيرتو كان عندها في شنطة الشغل.
عزوز كان بيجز على سنانه، وعينيه بدأت تروح وتيجي على يحيى اللي واقف بعيد ومرعوب. يحيى.. نطق عزوز وهو بيترعش.
يحيى قرب خطوة نعم يا عمو؟
عزوز طلع من جيبه ساعة ذهب قديمة، السير بتاعها مقطوع بس الساعة نفسها بتلمع كأنها لسه طالعة من المصنع. دي.. دي كانت بتاعة أبويا.. خدها
ليك.. عشان مسحت دمعتي.
يحيى بَص لأمه، سلمى
تم نسخ الرابط