لقاء الساعه السوده حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

هزت راسها بالموافقة وهي مشغولة بالرصاصة اللي في كتفه. الواد خد الساعة وعينيه لمعت، بس في اللحظة دي.. المطر بره سكت فجأة، وحل مكانه صوت فرملة كاوتشات عربيات كتير في أول الحارة.
سلمى اتخشب في مكانها، وعزوز عينه وسعت وهو بيحاول يقوم جم.. منصور وصل.
سلمى بصت ل يحيى وقالتله بصوت واطي ومرعب يحيى.. ادخل تحت السرير وم تطلعش مهما حصل، فاهم؟
الواد جري، وسلمى وقفت ورا الباب، مسكت سكين المطبخ الكبيرة، وبصت لعزوز اللي مرمي على الأرض مش قادر يتحرك، وقالتله لو فاكر إنك هتموت في بيتي وتلبسني مصيبة تبقى غلطان.. إنت هتقوم وتوريني المارسيلي بيعمل إيه لما بيتحاصر.
عزوز سحب نفسه وسند على الكنبة، والدموع رجعت لعينه تاني، بس المرة دي دموغ غل مش وجع. سحب حتة حديدة كانت سندة ترابيزة في الركن، وقالها بصوت رجع يهز الحيطان تاني افتحي الباب يا سلمى.. وخلي يحيى يسد ودانه.
الباب خبط تلات خبطات تقال.. خبطة منصور المعروفة.
اسلمى أخدت نفس طويل، ويدها على كالون الباب كانت بتترعش، بس عينيها كانت ثابتة زي الصقر. بصت لعزوز بصه أخيرة، كأنها بتقوله لو هتموت، خد حد معاك.
فتحت الباب بالراحة.. المطر كان لسه بينقط من على الحلق.
منصور كان واقف بره، لابس بالطو أسود طويل وماسك شمسية، وراه تلات رجالة دواليب لابسين قماش ميري وسلاحهم باين من تحت الجواكت. منصور رسم ضحكته الصفرا أول ما شاف سلمى
مساء الخير يا ست الكل.. مسمعناش يعني إن فيه حد غريب دخل الحارة من شوية؟
سلمى سدت فتحة الباب بجسمها، وردت ببرود يحسدها عليه عزوز نفسه
الحارة مليانة غُرب يا منصور يا مغربي، وإنت أولهم.. عايز إيه على الليله المشومة دي؟
منصور
زق الباب بطرف الشمسية وخطى خطوة لجوه
عايز أمانة ضاعت مني.. واحد طري كدة كان فاكر إن الحارة لسه بتحبه.
عين منصور جت على بركة الدم اللي على الملاية في الصالة. ضحكته وسعت
أهو.. ريحة الزفر جابتني لحد هنا.
في اللحظة دي، عزوز كان ورا الكنبة، ضاغط على جرحه بكل قوته عشان ميطلعش أنين. الحديدة في إيده كانت تقيلة، بس غله كان أتقل. منصور قرب من الكنبة وهو مطلع طبنجة بكاتم صوت
اطلع يا زوز.. اطلع بدل ما أهدم البيت ده على اللي فيه.. والبت والواد ذنبهم في رقبتك.
عزوز م استناش يكمل.
بكل قوته اللي باقية، زق الكنبة برجله في ركب منصور، ومنصور اختل توازنه. عزوز هجم عليه زي الديب الجريح، الحديدة نزلت على كتف منصور خلت الطبنجة تقع من إيده. رجالة منصور اللي بره حاولوا يدخلوا، بس سلمى كانت أسرع.. رمت جردل مياه نار كانت شايلاه للتنضيف في وش أول واحد فيهم، الصرخة اللي طلعت منه هزت البيت كله.
عزوز كان فايض فيه الكيل، مسك منصور من رقابته وطلعه بره على السلم الحديد في المطر
بتقولي طري يا منصور؟.. أنا اللي عملتلك سعر.. وأنا اللي هنهي السعر ده دلوقتي.
منصور وهو بيحاول يتنفس إنت.. إنت خلصت يا عزوز.. الحارة كلها قلبت عليك.
عزوز بصله بصه خلت منصور يترعش بجد
الحارة فيها سلمى وفيها يحيى.. وطول ما فيهم ناس بتنضف الجرح وناس بتمسح الدموع، يبقى المارسيلي لسه مخلصش.
بضربة واحدة من الحديدة، عزوز وقع منصور من على السلم، وقعة م قامش منها. رجالة منصور لما شافوا كبيرهم وقع، والست واقفة بسكينتها وعزوز واقف بدمه كأنه عفريت طالع من القبر، فص ملح وداب في الضلمة.
عزوز سحب نفسه ورجع دخل الصالة، وقع على ركبه قدام
سلمى.
يحيى طلع من تحت السرير، جرى عليه وحضنه وهو بيعيط عمو.. إنت لسه مكسور؟
عزوز طلع الساعة الذهب من إيد يحيى، وحطها في إيد سلمى
الساعة دي تمن العملية يا ست سلمى.. والجميل ده هيفضل في رقبتي ليوم الدين.
سلمى بصت للساعة، وبعدين بصت لعزوز وقالت بلهجة الحارة الواعرة
أنا مخدش تمن حاجة عملتها لربنا ولابني.. الساعة دي تشيلها وتصلح بيها اللي انكسر في الحارة يا ابن المارسيلي.. ومن بكرة، ملقيش وشك هنا، إحنا ناس غلابة مش حمل رصاص.
عزوز قام على حيله، مسح وشه اللي غرقان مطر ودم، وبص ليحيى وغمزله
خلي بالك من الممرضة يا بطل.. دي أرجل من نص رجالة القاهرة.
وخرج عزوز في المطر، بس المرة دي مكنش بيزحف.. كان ماشي وراسه فوق، لأنه عرف إن فيه حاجات في الدنيا لسه أغلى من الفلوس 
عزوز كان حاسس إن روحه بتتسحب منه وهو باصص لسلمى وهي بتخيط جرحه بتركيز رهيب. المطر بره هدي، والبيت مفيهوش صوت غير أنفاسهم وصوت إبرة الخياطة وهي بتعدي في جلده.
سلمى كانت بتمسح العرق من على قورتها بظهر إيدها، وعزوز عينه منزلتش من عليها. مكنش شايف ممرضة بتنقذ حياته، كان شايف الونس اللي كان بيدور عليه طول سنين السطوة والخوف.
إنتِ بطلتي تخافي ليه يا سلمى؟ عزوز سألها بصوت واطي ومهزوز.
سلمى بصت في عينه لثانية، وظهرت في عينيها لمعة غريبة، وردت وهي بتشد الخيط الخوف ده للناس اللي عندها حاجة تخسرها.. أنا خسرت كل حاجة زمان، مبعشليش غير يحيى.. ودلوقتي، حاسة إن ربنا بعتك عشان يختبر قلبي.
عزوز مسك إيدها اللي بتخيط فجأة، الحركة خلت سلمى تتخض ونفسها يعلى. أنا عمري ما حد مسح دمعتي غير يحيى.. وعمري ما حد خاف على حياتي من غير
مقابل غيرك.. أنا يا سلمى عشت طول عمري مارسيلي، بس النهاردة عايز أعيش عزوز بس.. عشانك.
سلمى سحبت إيدها بالراحة، ووشها احمر في ضوء الوناسة الضعيف عزوز.. إنت ابن الحارة الغني، وأنا ممرضة غلبانة بتجري ورا لقمة عيشها.. قصتنا دي لو بدأت، هتبقى أصعب من الرصاص اللي في جسمك.
عزوز سند ضهره على الكنبة وابتسم بوجع الأيام الصعبة هي اللي بتعمل الرجالة.. والقلوب الصعبة هي اللي بتعرف تحب بجد.. لو وافقتي تداوي قلبي زي ما داويتي جرحي، أوعدك إن الحارة دي هتتحول جنة عشانك.
يحيى كان نايم على الكرسي اللي جنبهم، سلمى بصت لابنها وبعدين بصت لعزوز وقالت بضحكة مكسوفة طب خلص عمليتك الأول يا سبع الرجال.. وبعدين نشوف الحكاية دي هترسي على فين.
عزوز غمض عينه وهو مرتاح لأول مرة في حياته، وحس إن الرصاصتين اللي خدهم كانوا المهر الغالي اللي دفعه عشان يوصل لقلب الست اللي أنقذته من الموت ومن الوحدة. ومن ليلتها، الحارة كلها عرفت إن عزوز المارسيلي مابقاش يحكم بالحديد والنار.. بقى بيحكم بقلب ممرضة خلت للدنيا طعم تاني.
مرت سنة كاملة على ليلة المطر والدم. الحارة حالها اتقلب، ومخبز أم عزوز القديم رجع يفتح أبوابه تاني، بس المرة دي ريحة العيش الفينو والكرواسون كانت مغطية على ريحة البارود اللي سكنت المكان سنين.
عزوز مابقاش المارسيلي بتاع زمان. بقى يقعد كل يوم وقت العصاري على أول الحارة، لابس قميص مكوي وعينه على باب المستشفى الميري اللي في آخر الشارع.
طلعت سلمى ببالطوها الأبيض، باين عليها التهدد من وردية 12 ساعة، بس أول ما شافته واقف مستنيها، الضحكة نورت وشها ونسيتها التعب.
لسه واقف يا عزوز؟ أنا قولتلك متمشيش
في الشمس كتير عشان جرح كتفك م يشدش عليك،
تم نسخ الرابط