تحزير غامض حكايات صافي هاني
الساعة كانت 502 الصبح، لما جبريل جاري اللي في حاله خبط على بابي وهمس لي متروحيش الشغل النهاردة.. على الظهر كدة هتفهمي كل حاجة، واختفى فجأة وكأنه كسر كل القواعد اللي مخلياني لسه عايشة. بعدها بكام ساعة، تليفوني رن.. كانت الشرطة، بيقولوا إن عربيتي، وكارنيه الشغل، وبطاقتي، كلهم اتشافوا وهما داخلين الشركة في نفس الوقت اللي حصل فيه هجوم مسلح هناك، مع إني مخرجتش من باب بيتي أصلاً! بعدها ظهر جبريل تاني، وقال لي إن الضباط اللي جايين في الطريق دول مش جايين يحموني، وإن موت أبويا المفاجئ مكنش طبيعي، والظرف الأسود اللي في إيده فيه السر.. سر ليه مكنش المفروض أعيش لللحظة دي.
التحذير الأول جالي قبل الشروق، في وقت الضلمة اللي بتخليك تحس إن أي صوت حواليك مقصود ووراه حكاية.
الساعة 502 بالظبط، حد خبط على بابي خبطة هزت حلق الباب نفسه.
قمت مفزوعة من السرير، قلبي بيدق في رجلي، وجسمي اتحرك قبل ما عقلي يستوعب فيه إيه. للحظة مكنتش عارفة أنا فين، والأرقام الزرقاء بتاعة المنبه كانت منورة بوضوح وسط ضلمة الأوضة. بره الشباك، الدنيا كانت لسه سواد كحل، مفيش غير ضوء القمر الباهت على شجر الجميز اللي في جنينة البيت. وفجأة الخبط رجع تاني.. تلات خبطات ورا بعض، سكت ثانية، وبعدين خبطتين كمان.
محدش بيخبط الخبطة دي ومعاه خبر حلو.
رميت الغطا، خطفت قميصي من على الكرسي ولبسته وأنا ماشية في الصالة. كنت حافية وبلاط الأرضية ساقع زي التلج. كل حاجة عادية في البيت كانت باينة غريبة في الساعة دي اللوحة اللي فوق الترابيزة، الشمسية اللي جنب الباب، الطبق اللي برمي فيه مفاتيحي كل يوم بعد الشغل.. البيت كله كان كأنه كامت نفسه ومستني اللحظة
وقفت عند الباب، وإيدي اتسمرت على القفل.
خبطة كمان.
مين؟ صوتي طلع مخنوق ومبحوح من النوم.
أليسا.. الراجل اللي بره كان صوته مقطوع. أنا جبريل.. افتحي الباب.. أبوس إيدك.
جبريل ستون.
جاري.
حاجة متهضمش أبداً.
جبريل ساكن في البيت الطوب الصغير اللي جنبي، البيت اللي بلكونته ضيقة ونور مدخله دايماً مطفي. جه سكن هنا من سنة تقريباً، وكان من نوعية الناس اللي تمشي جنب الحيط، لا بيعمل دوشة ولا بيختلط بحد. جنينته دايماً متسوية، بيطلع الزبالة في ميعادها، بيستلم الطرود للجيران لو مش موجودين، وكلامه قليل لدرجة إني كنت بهزر مع أختي صوفي وبقول لها ده يا إما في برنامج حماية شهود يا إما راهب وعليه أقساط.
كان محترم، هادي، ومحدش بيحس بيه.
ودلوقتي، بيخبط على بابي قبل الفجر!
حطيت السلسلة وفتحت الباب حتة صغيرة.
جبريل كان واقف بره في البرد، لابس جاكيت غامق ومقفول لحد رقبته. شعره كان مبلول عرق أو ندى، ووشه كان مخطوف في ضوء الفجر. بص ورا كتفه بصه سريعة قبل ما يبص لي.. مكنتش نظرة عادية، دي كانت نظرة واحد بيتأكد إن مفيش حد ماشي وراه.
قال لي متروحيش الشغل النهاردة.
بحلق فيه من ورا فتحة الباب.
نعم؟
خليكي في البيت. صوته كان واطي، بس فيه لهجة أمر غريبة. ماتخرجيش.. لا شغل، ولا قهوة، ولا أي مشوار. بس ثقي فيا.
هوا ساقع دخل من فتحة الباب ولذع رجلي.
جبريل، أنت بتتكلم عن إيه؟ في إيه؟
ضغط على سنانه، باين عليه التعب بس عينيه كانت صاحية لدرجة تخوف.
مش هقدر أشرح دلوقتي.
كلامك ده مش كفاية.
عارف.
هو حصل حاجة؟
هز رأسه ببطء، بس الهزة دي مكنتش بتطمن. لسه.
إيدي قفشت في الباب.
لسه؟ يعني إيه لسه؟
خيط أحمر بدأ يظهر في
قلت له أنت بتخوفني.
رد عليا بكلمة واحدة طيرت النوم من عيني أنا بحاول أخليكي تعيشي.
للحظة، الزمن وقف بينا.
جبريل فضل يمسح الطريق ورا كتفي كأنه مستني حد يظهر. لما رجع بص لي، ملامحه هديت ثانية واحدة.. كان فيها نظرة ندم، أو شفقة، بس اختفت بسرعة.
قال لي أوعديني.. أوعديني إنك مش هتروحي شركة هينينج وكول النهاردة.
أنت عرفت اسم شركتي منين؟
قفل بقه وضغط على شفايفه.
أنا عمري ما قلت له اسم الشركة. متأكدة من ده. كل كلامنا كان صباح الخير ومساء النور ومن فوق السور، وكلام عن الجو وعن الراكون اللي بيسرق أكل العصافير بتاع ست ألدن. كان ممكن يعرف إني شغالة في الحسابات من لبسي، بس مستحيل يعرف اسم المكان بالظبط.
جبريل..
على الظهر كدة هتفهمي.
وقبل ما أنطق بكلمة، نزل من على العتبة.
استنى!
بص ناحية الشارع تاني، وجسمه كله اتشنج وكأنه مستعد يجري.
اقفلي أبوابك كويس. خلي موبايلك مشحون. ولو حد اتصل بيكي وقال لك إنه من الشرطة، متصدقيش أي حاجة قبل ما تسألي وتتأكدي.
الشرطة؟!
خليكي جوه.
ولف وضهره ومشي بسرعة في جنينتي وراح على بيته. مبصش وراه ولا مرة. مدخلش من الباب اللي قدام، ده نط من بين السور واختفى في ضباب الصبح، زي اللي قال كلام كتير وفي نفس الوقت مقالش حاجة خالص.
فضلت واقفة ورا الباب والسلسلة لسه محطوطة، صوابعي اتخشبتم على الأكرة.
أي حد عاقل كان قفل الباب واتصل بالنجدة وقال لهم
بس المشكلة إن العقل ده بينفع لما تكون الحقائق اللي حواليك واضحة وصريحة.
وأنا حقائق حياتي بقالها شهور مش مظبوطة خالص.
قفلت الباب وربسته. القفل، السلسلة، والترباس الصغير. وقفت في الصالة بسمع صوت نفسي وصوت تكتكة الساعة اللي في المطبخ.
من تلات شهور، أبويا مات...
موت أبويا مكنش مجرد صدمة، ده كان الزلزال اللي هد كل حاجة كنت عارفاها عن حياتي. كان بصحته، زي الجن زي ما بنقول، وفجأة وقع في مكتبه.. سكتة قلبية قالوا كدة، وقفلت الملف على كدة. بس النهاردة، وبعد كلام جبريل، بدأت أحس إن السكتة دي كان وراها فاعل.
الساعة بقت 10 الصبح.
قاعدة في الصالة، الموبايل في إيدي مش بيفصل رن.. زمايلي في المكتب، المدير، وحتى أرقام غريبة. مردتش على حد. كنت حاسة بتقل في صدري كأن الهوا اللي في البيت خلص.
وفجأة، جالي إشعار عاجل على فيسبوك هجوم مسلح على مقر شركة هينينج وكول بالمعادي، وأنباء عن وقوع إصابات.
دمي اتجمد. مسكت الموبايل بإيد بتترعش وفتحت الخبر. الصورة الأولى كانت للمدخل.. المدخل اللي المفروض كنت هبقى واقفة فيه في نفس الدقيقة دي. والخبر اللي بعده نزل زي الصاعقة كاميرات المراقبة ترصد المشتبه بها الأولى في الحادث أليسا، موظفة بالحسابات، شوهدت وهي تدخل المبنى قبل الانفجار بدقائق.
إزاي؟! أنا هنا! أنا مطلعتش من أوضتي!
في اللحظة دي، سمعت صوت خبط هادي على الباب. مش خبط.. ده كان خربشة.
بصيت من العين السحرية، كان جبريل. وجهه كان كله دم، وماسك في إيده ظرف أسود كبير.
فتحت الباب بسرعة