لقاء مفاجئ حكايات صافي هاني
المحتويات
كان يوم من أيام أكتوبر الهادية، الشمس فيه كانت دافية وضهرها حنين، وكل حاجة حواليك تحسها أجمل وأروق من الحقيقة.
ورق الشجر كان بيطير على المشايات في جنينة الحرية، والناس اللي بتجري ماشية بانتظام، وصوت العصافير طالع من فوق الشجر اللي ورقه بدأ يقع.
بس مروان ماكنش حاسس بأي حاجة من دي.
لا بنسمة الهواء..
ولا بالأصوات..
ولا حتى بصوت والدته الهادي وهي ماشية جنبه.
عشان في اللحظة اللي بص فيها لآخر الجنينة، كل حاجة جواه وقفت.
هناك، على كنبة خشب قديمة دهانها مقشر وشايلة أثر سنين وتعب، كانت قاعدة آخر واحدة يتوقع إنه يشوفها تاني في حياته.
سلمى.
طليقته.
الست اللي في يوم من الأيام شاركها شقة صغيرة فوق فرن في السيدة، لما كان عندهم أحلام أكتر من الفلوس، وحب أكبر من قدرتهم على الحفاظ عليه.
مروان خطوته تقلت ووقف.
لثواني، حَس إنه مش عارف يتنفس.
والدته، هدى،
مروان؟ في إيه يا حبيبي؟ مالك؟
مارردش عليها.
فضل باصص ومثبت عينيه.
سلمى كانت نايمة على الكنبة، راسها مايلة لجنب، وخصلات شعرها واقعة على وشها مع الهوا اللي بيطيرها ويرجعها تاني. كانت لابسة جاكيت خفيف قوي وماينفعش مع برد الجو ده، ومن مكانه كان شايفها مجهدة جداً. مش تعب يوم ولا يومين..
ده النوع اللي بيبان على الواحد لما الدنيا تيجي عليه بزيادة ولوقت طويل.
وفجأة مروان شاف اللي جنبها.
وجسمه كله سقع.
طفلين رضع.
في الأول عقله رفض يستوعب المنظر. الصورة اللي قدامه كانت مستحيلة، كأنها مشهد من حياة حد تاني مش حياته هو.
بس هما كانوا هناك.
طفلين صغيرين قوي، نايمين جنب بعض على الكنبة جنب سلمى.
واحد ملفوف في كوفرتة صفراء..
والتاني في واحدة خضراء فاتحة.
خدودهم كانت وردي من سقعة الجو..
نفسهم هادي ومرتاح..
كانوا باينين صغيرين
والدته وراه شهقت بصوت مكتوم
يا خبر.. يا ساتر يا رب..
الصوت ده خلى سلمى تقلق وتصحى.
فتحت عينيها ببطء، وكان باين عليها التوهان واللخبطة. للحظة مكنتش عارفة هي فين، لحد ما عينيها جت في عين مروان.
وتعبير وشها كله اتغير.
مروان..
اسمه طلع من بين شفايفها في همس تعبان ومبحوح.
لا كانت مخضوضة..
ولا مرعوبة..
كانت بس.. مطفية.
مروان قرب خطوة، وصوته طلع أحدّ مما كان يقصد
إنتي بتعملي إيه هنا؟ وبعدين نزل بعينيه للطفلين وعيال مين دول؟
إيد سلمى اتحركت فوراً، غريزة الأمومة، وحطت إيدها بحماية على الكوفرتة الخضراء.
وبعدين رفعت عينيها فيه.
نظرتها كانت ساكنة..
ساكنة بزيادة.
دول ولادي، قالتها بهدوء.
وفي اللحظة دي، مروان حَس إن الأرض بتتهز تحت رجليه.
لأن من سنة واحدة، سلمى اختفت من حياته ومسابتش وراها غير صمت، وقلب
ودلوقتي هي قاعدة على كنبة في جنينة، مهدودة، وبالعافية ماسكة نفسها.. ومعاها طفلين محدش قاله عنهم كلمة.
والحقيقة ورا سبب اختفائها كانت حاجة هو مش مستعد يواجهها أبداً.
مروان فضل واقف مكانه، مذهول، والصدمة لجمت لسانه. بص ل هدى والدته، لقى دموعها نزلت وهي بتبص للأطفال الصغيرين اللي بدأوا يتململوا في نومهم.
سلمى حاولت تتعدل وهي بتظبط الجاكت الخفيف عليها، وشها كان شاحب كأنها ماكلتش بقالها أيام. مروان قرب خطوة كمان، صوته كان بيترعش بين الغضب والذهول
ولادك؟ ولادك إزاي يا سلمى؟ إحنا مطلقين بقالنا سنة وشهرين.. إنتي لحقتي؟!
سلمى نزلت عينيها الأرض، وبدأت تهز الكوفرتة الصفراء بإيدها المرتعشة عشان الطفل ما يصحيش، وقالت بصوت واطي ومكسور
دول عندهم 4 شهور يا مروان.. احسبها إنت.
الجملة نزلت عليه زي الصاعقة. مروان
متابعة القراءة